تاريخ اليوم /  شعارنا ايد تبنى ايد تعلى ايدتصلى ايد متعملش غلطة هما دول فريق كنيسة مارجرجس بالسنطة

العودة   منتدى كنيسة مارجرجس بالسنطة > كتاب مقدس و روحانيــــــات > منتدي دراسات الكتاب المقدس > شخصيات من الكتاب المقدس

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 20-05-2010, 03:21 PM   #21
 
رقم العضوية : 11005
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 5,055
معدل التقييم : 13
بنت الاله القدير is on a distinguished road

 

افتراضي

بصراحة انا قريت شخصية شمجر بن عناه لانى معجبة بيه اوى وكمان جدعون بحس ان ربنا بيقولى يا جبارة الباس زيه وبتعزى كتير اوى
بتعلم منهم كتير اوى

بجد موضوعك جميل وهيبقة زى مرجع حلو لكل شخصيات الكتاب المقدس
ربنا يبارك تعبك
ثانكس... محارب
تحياتى...

بنت الاله القدير غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-05-2010, 05:32 PM   #22
 
رقم العضوية : 416
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 313
معدل التقييم : 10
moharb is on a distinguished road
افتراضي

شكرا كتير بنت الاله ع مرورك وتشجيعك الجميل والمميز
ربنا يبارك حياتك وخدمتك

moharb غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-05-2010, 05:54 PM   #23
 
رقم العضوية : 416
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 313
معدل التقييم : 10
moharb is on a distinguished road
افتراضي

( 20 )

عالي الكاهن

"وهذه لك علامة تأتي على ابنيك حفني وفينحاس

في يوم واحد يموتان كلاهما"

(1صم 2: 34)

مقدمة

في الحياة كثير من العلامات، يقرؤها الإنسان دون أن تكتب بقلم أو حبر،. كانت أول علامة عرفها الإنسان هي التي أعطاها الله لقايين المذعور الخائف، لكي لا يقتله كل من وجده،.. ويظن البعض أنها كانت رسماً على جبهته أو في وجهه يحذر الآخرين من قلته!!.. كانت هناك علامة أخرى وضعها الله أمام نوح، علامة ميثاق في قوس قزح، ينشره قبل كل مطر ليؤكد للإنسان أنه لن يعود ليدمر الأرض بالطوفان مرة أخرى،.. وهناك علامة الدم في القول: "أرى الدم وأعبر عنكم" وهي علامة الصليب للحياة في الفداء المجاني الذي جاء به المسيح سيدنا مخلص العالم إلى الأرض!!.. وهناك علامة الشفاء طلبها الملك حزقيا عندما سقط فريسة المرض القاتل وقال لله: "ما العلامة أن الرب يشفيني"؟… وهناك علامة الغدر البشعة التي بها سلم يهوذا المسيح: “والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلاً الذي أقبله هو هو.. امسكوه”.. وهناك علامة النصر، قيل إن الملك قسطنطين رآها في الجو في هيئة صليب، وسمع صوتاً يقول: بهذا ننتصر!!.. هذه وغيرها من العلامات ذات المعاني المختلفة والمغازي المتعددة،.. فما هي العلامة التي وضعها الله أمام عالي الكاهن؟؟ لو صح أن نسميها لأطلقنا عليها "العلامة السوداء" إذا كانت علامة القضاء الإلهي الرهيب على ولديه وبيته وشعب الله،.. وللأسف فإن هذه العلامة جاءت لرجل، كان -في حد ذاته- طيباً وأميناً، لكنه ترك الحبل على الغارب لولديه، اللذين فسدا، وعاثا فساداً في كل شيء!!.. في الحقيقة إنها راية سوداء، يجمل بكل مؤمن أن يراها، وعلى وجه الخصوص خدام الله الذين يعظون الآخرين، دون أن يعظوا بيوتهم وأقرب الناس إليهم، وهم في حاجة دائمة إلى كلمة المسيح: "أيها الطبيب اشف نفسك"!!.. من يكون عالي وما هي القضية التي يبرزها أكثر من غيره، ونحن ندرس شخصيات الكتاب المقدس؟؟ هذا ما أريد متابعته فيما يلي:



عالي من هو

لم يكن عالي من نسل العازار الابن الأكبر لهرون، ولكنه كان من نسل إيثامار انبة الأصغر، ولا نعلم كيف كان رئيس الكهنة وهل لم يكن في ذلك الوقت من يصلح من نسل العازار لرئاسة الكهنة؟!! على أي حال لقد وجد صادوق من نسل ألعازار وأبيثار من نسل إيثامار أيام داود، ومع أننا لا نعلم الكثير عن أيامه الأولى، وهل كان في صدر الشباب من الشخصيات البارزة القوية، وهل عدت عليه الأيام، والشيخوخة، فلم تعد له القوة القديمة،.. غير أن الرجل -على أي حال والذي عاش إلى الثامنة والتسعين من عمره فإنه في حد ذاته رجلاً مخلصاً لخدمته، لم يمسه شخصياً ما يشير من قرب أو بعد إلى عيوب خلقية، أو امتهان لكرامة الخدمة، بل نحن نراه إلى اللحظة الأخيرة الرجل الذي يجلس على كرسيه وقد قامت عيناه وأنه لم يعد يبصر، وقلبه متحرك نحو تابوت الله، أكثر من تحركه نحو ولديه في المعركة، ولم يتستطع تحمل أسر التابوت، فسقط من فوق كرسيه لتكسر رقبته ويموت. قد عاش قاضياً وكاهناً لإسرائيل مدة أربعين عاماً، ومن الصعب أن تصفه بشيء أكثر من أنه الكاهن اللين العريكة، المستسلم، المخلص لعمله الكهنوتي، دون أن يكون الرجل الحازم الصلب الإرادة القوي التصرف!!..

قال السيد المسيح: ليكن كلامكم نعم نعم.. لا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشر -ومن مأساة عالي أنه الرجل الذي يستطيع أن يقول "نعم نعم، دون أن يتمكن من القول: لا لا"!!.. وحتى عندما سمع قضاء الله على بيته وأولاده، القضاء الذي جاء على لسان صموئيل كان جوابه: هو الرب، ما يحسن في عينيه يعمل!!.. كان على عالي -وهو الرجل الطيب- أن يعلم أن الطيبة وحدها لا تصنع القائد العظيم، والإنسان الكامل،.. وأنه مهما يكن الإنسان طيباً، فإنه ستأتي عليه ساعة يلزم أن يقول بكل قوته: لا لا.. قالها يوسف عندما واجهته التجربة العظيمة، فصاح في وجهها: "لا لا".. كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطيء إلى الله.. وقالها موسى عندما وقف على مفترق الطرق، وأبى أن يدعى ابن ابنة فرعون، مفضلاً بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر!!.. وقالها دانيال عندما وضع في قلبه ألا يتنجس بأطايب الملك وبخمر مشروبه، وقالها الثلاثة فتية: عندما طلب منهم أن ينحنوا لتمثال الذهب الذي صنعه نبوخذنصر.. وما أكثر الذين عرفوا في كل عصور التاريخ أن يقولوها لكل تجربة أو فساد أو خطية وقفت في طريقهم، طريق والصدق والحياة. قيل عن شاب إنجليزي كان يملك مصنعا من أكبر مصانع البيرة في انجلترا، وكانت له حانات كثيرة للخمور، .. ولكن نعمة الله عملت في قلبه فقبل يسوع المسيح، وابتدأ يجول مبشراً ومنادياً بكلمة الخلاص، وذات يوم رأى فتاة مسكينة تدعو زوجها السكير من حانة من الحانات التي تتبعه، وتتطلب منه مالاً لأجل طعامها وأولادها، فما كان من الرجل إلا أن خرج من الحانة، ورفصها بقدمه لتسقط في ترعة أمام الحانة،.. وتطلع الشاب إلى أعلى الحانة، ورأى اسمه مكتوباً بحروف ذهبية في أعلاها،.. وأدرك كم هو مسئول عما حدث.. وقال: إن الرجل وهو يرفص امرأته إلى الترعة، لم يعلم أنه جعلني أرفص مليوناً وربعاً من الجنيهات نصيبي في المصنع وحانات الخمر التي أملكها!!.. كانت الضربة القاتلة لعالي الكاهن أنه لا يعرف أن يقول في الوقت المناسب "لا لا". فلحقه الشر من كل جانب ليدمر حياته وبيته وخدمته الكهنوتية!!".



عالي وحفني وفينحاس

"وكان بنو عالي بني بليعال لم يعرفوا الرب" ولا نظن أن هناك فاجعة يمكن أن تداني مثل هذه الفاجعة، إذ أن أولاد عالي لم يكونوا مجرد أولاد عاديين، بل كهنة الرب،.. فإذا كان الأصل أن الأسقف: "يجب أن يكون بلا لوم بعل امرأة واحدة صاحياً عاقلاً محتشماً مضيفاً للغرباء صالحاً للتعليم، غير مدمن الخمر، ولا ضراب، ولا طامع بالربح القبيح، بل حليماً غير مخاصم، ولا محب للمال يدبر بيته فكيف يعتني بكنيسة الله" فكم تكون الكارثة أنكى وأشد لو أن هؤلاء الأولاد يمارسون الخدمة الدينية بصورة من الصور.. هل وقفت معي لتتأمل العبارة القاسية الشديدة الوقع: "لم يعرفوا الرب"، وهل تنصرف هذه العبارة إلى أيامهم الأولى؟ وهل كان عالي مشغولاً ومنهمكاً في خدمته في شيلوه، مع جميع الناس، إلا بيته وأولاده؟؟ وهل كان أشبه بذلك القاضي الإنجليزي الذي كان مشغولاً بكتب القانون، ومحاكمة المتهمين،.. وقد سيق ذات يوم ابنه إلى المحاكم بتهمة قاسية، وقال القاضي الذي يحاكمه : ولكن كيف حدث هذا، وأين أبوك الذي لم ينبهك إلى فداحة الجرم الذي تقف أمامه الآن للمحاكمة؟؟! وقال الغلام: يا سيدي: لقد كان أبي مشغولاً بالآخرين، ويكتب القانون، ولو أنه أعطاني بعضاً من وقته لما ارتكبت هذه الجريمة، أو جئت إلى هذا المكان. أليس هذه خطية الكثيرين من الخدام الذين -لفرط اهتمامهم بالخارج- كانوا في حاجة إلى من ينبههم بأن أولادهم أولى بهذه الرعاية، وأكثر الناس حاجة إليها؟؟ ونحن لا نسمع عن زوجة عالي، وهل كان الرجل منكوباً إذ لم يجد المرأة التي تكمل نقصه عندما تتراكم عليه المسئوليات والأعمال، بل هل كانت هذه المرأة بحياتها وتصرفاتها، مشجعة لأولادها -وهي لا تدري- على السلوك الشائن المعيب؟!.. هل ترك عالي أولاده -وهم براعم خضراء- ولم ينتبه إلى تقويمهم من نعومة أظفارهم، ثم أراد أن يتدارك الأمر بعد ذلك، فإذا بعودهم قد تصلب، وتقست قلوبهم، فإذ هم قسي من أن ينضب هذا العود بعد إعوجاج؟!!.. أياً كان الأمر فقد زاد الطينة بلة، أن يتحول حفني وفينحاس ومن معهما إلى الخدمة الدينية ككهنة لله العلي، وهنا نقف على أغرب وصف لهؤلاء الكهنة، إذ هم بنو بليعال لم يعرفوا الرب، وقد اشتهروا بخطيتين رهيبتين: الدنس والطمع،.. وقد وصل الدنس إلى آخر حدوده، إذ كانوا يضاجعون النساء اللواتي يقدمن الخدمة الدينية في شيلوه،.. أما الطمع فقد ظهر في أبشع صوره، في أخذ السمين اغتصاباً، من التقدمات والذبائح، دون أن يراعوا حق الله وحق الكهنة في الذبيحة المقدمة،.. وكان لابد أن ينعكس هذا على الآتيين للعبادة وتقديم الذبائح.. فاستهان الناس بالتقدمة، وعملت في بيت الله أشد ألوان الفجور والآثام،.. ومن الغريب أن هاتين الخطيتين هما اللتان وصلتا بالكنيسة في العصور الوسطى إلى أحط دركات الانحدار الذي لا يكاد يتصوره عقل، والذي حدا مارتن لوثر أن يقوم بثورته الكبرى لإصلاح الكنيسة!!..

ماذا فعل عالي تجاه هذا الفساد المستشري؟!!.. إنه لم يفعل ما فعله موسى، عندما عبد الإسرائيليون العجل الذهبي، وعندما نزل من الجبل ليراهم أمامه يرقصون ويغنون فصاح: من الرب فإليَّ، فاجتمع إليه جميع بني لاوي، فقال لهم: هكذا قال الرب إله إسرائيل ضعوا كل واحد سيفه على فخذه ومروا وارجعوا من باب إلى باب، واقتلوا كل واحد أخاه، وكل واحد صاحبه، وكل واحد قريبه. ففعل بنو لاوي بحسب قول موسى، ووقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل!!.. “الذي قال عن أبيه وأمه لم أرهما وبإخوته لم يعترف وأولاده لم يعرف بل حفظوا كلامك وصانوا عهدك”.. ومع أن خطية الإسرائيليين كانت بشعة ورهيبة وقاسية، لكنها لا يمكن أن تقارن ببشاعة ابني عالي اللذين حولا بيت الله إلى مغارة لصوص، ومكان للدعارة والفجور،.. وكل ما فعله عالي لا يتجاوز التوبيخ، أو على حد قول الشاعر العربي يضع النوى موضع السيف، والكلمة الناعمة موضع البتر والقطع والاستئصال!!..



عالي وحنة

ومن الغريب أن عالي بعد هذا كله، وهو يلاحظ حنة في صلاتها الملتهبة غير المسموعة، يتصورها سكرى، فيوبخها: "حتى متى تسكرين انزعي عنك سكرك"، ولعل خير ما يقال ههنا ما ذكره الكسندر هوايت عندما صاح: خبئني يا صخر الدهور، إذ أني أتعلق بصليبك، وأنا أنظر إلى عالي، ونفسي في شخص عالي. وأولادي في شخص حفني وفينحاس وإيخابود أبناء عالي،.. دعني أرى في عالي غباوتي وعماي بالنسبة لخطاياي، وخطايا أولادي، وخطايا شعبي وهم يسكرون بالكبرياء والفساد والشر، كان عالي في حاجة إلى أن يقول هذا الكلام منذ عشرين عاماً لأولاده السكارى الماجنين الأشرار، ولكنه يتركهم يتحول إلى حنة البائسة المسكينة السكرى من الألم والحزن والضيق ومرارة النفس، ولكنها هي الحقيقة المرعبة التي تلاحقنا جميعاً عندما نزن بوزنين، ونكيل بكيلين، ولا نفطن إلى الخشبة التي في عيوننا، ونحن نبحث عن القذى في عيون الآخرين!!.. وقف الرجل المسكين وهو يسمع التقريع القاسي من مدير الشركة التي يعمل فيها، وكان قد أخبره أن ابنه رسب في الامتحان، وكال له التهم في عدم تربية الأولاد تربية صحيحة سليمة،.. وصمت الرجل دون أن يتكلم كلمة واحدة،.. وفي هذه اللحظة بالذات دخل من يحمل خبراً، إن ابن المدير قد رسب هو أيضاً في الامتحان، وعلق المدير على الخبر بأن الولد ما يزال صغيراً في السن، وأمامه الفرصة والزمن!!.. لا تدينوا لكي لا تدانوا لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم ويزاد. ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها أم كيف تقول لأخيك: دعني أخرج القذى من عينك، وها الخشبة في عينك، يا مرائي أخرج أولاً الخشبة من عينك وحينئذ تبصر جيداً أن تخرج القذى من عين أخيك"!!

على أنه بالإضافة إلى ذلك فإن من أقسى الأمور أن نتعجل الحكم على الآخرين، فقد يسكر الإنسان من آلامه التي يتجرعها في صمت، ونحن نظنه يشرب خمراً، ويكون مثلنا مثل يوحنا ويسلي عندما تعجل الحكم على رجل كان يعلم أنه مقتدر الحالة مالياً، ومع ذلك رآه في المشروعات الكنسية يدفع دون المنتظر منه كثيراً، وذات مرة تبرع الرجل بمبلغ ما رآه ويسلي حتى انهال عليه بالتقريع، وصمت الرجل دون أن يتكلم،.. وبعد ذلك زاره في منزله، وقال له: هل تعلم أن في هذه المدينة رجلاً امتنع عن تذوق اللحم، والكثير من ألوان الطعام؟؟، ومرات كثيرة لا يأكل حتى الخبز؟؟ وقال ويسلي: لا أعلم من هو الرجل!!.. وإذا بالرجل يقول له: أنا هو الإنسان!!.. ثم قص على ويسلي، قصة لم تكن معروفة له، إذ أن هذا الرجل في صدر شبابه كان تاجراً أخذ أموالاً كثيرة من الناس، ثم أفلس، وخربت بيوت كثيرة بسببه، على أنه -وقد جاء إلى المسيح- قرر في نفسه أن يعيد هذه البيوت من جديد،.. كان يأكل أقل الأطعمة، وهو يرد مبالغ لا يطالبه بها القانون بعد إشهار إفلاسه، ويطالب بها الضمير المسيحي النقي الحساس،.. وعندما استمع يوحنا ويسلي للقصة اغرورقت عيناه بالدموع، وقال للرجل: سامحني يا أخي فقد كلمتك كثيراً وأنا لا أدري!!..

ما أكثر ما نتعجل الأحكام على الناس، ناسين أن الله العليم بكل شيء، عندما أراد أن يحرق سدوم وعمورة: "وقال الرب إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر، وخطيتهم قد عظمت جداً، أنزل وأرى هل فعلوا بالتمام حسب صراخها الآتي إليَّ وإلا فاعلم".. أو في لغة أخرى أنه يعلمنا ألا نحكم بالشبهات، فما أكثر ما نخطيء الأحكام وتبدو على العكس تماماً مما نفكر أو نتصوره.. هل سمعت عن ذلك المدرس الذي طلب من أحد التلاميذ في الصفوف الخلفية أن يقف ويقرأ قطعة من كتاب، وأمسك التلميذ الكتاب بيده اليسرى، وذراعه اليمنى وراء ظهره وابتدأ في القراءة،.. فما كان من المدرس إلا أن طلب منه أن يمسك الكتاب بيده اليمنى، وتشاغل الشاب وكأنه لم يسمع، واستمر في القراءة، وإذا بالمدرس يطلب إليه في غضب أن يتمم ما أمره به، وأخرج الشاب ذراعه اليمنى من وراء ظهره، فإذا بيده اليمنى مقطوعة بالتمام،.. وركع الأستاذ أمامه ولم تكن هناك لغة اعتذار يمكن أن تقال دون أن يعتذر بها الأستاذ بدموع.. كان عالي نبيل النفس، وهو يعترف بخطئه، محولاً هذا الاعتراف إلى صلاة أن يجيب الرب سؤال قلب حنة!!.. وانجابت الظلمة من وجه المرأة، لا لأن الرجل قد صحح تفكيره من ناحيتها، بل لأنها آمنت أن صلاته بلغت السماء واستجاب الرب لها. فمضت في طريقها وأكلت ولم يكن وجهها بعد مغيراً!!.. هل نتعلم أن الخلق المسيحي الصحيح أن ندوس كبرياءنا عند الخطأ، ونعترف به ونطلب الصفح عنه؟!!..



عالي وصموئيل

وقع عالي أمام أدق اختبار يمكن أن يقع فيه إنسان إذ أدرك من اللحظة الأولى أن هذا الصغير هو الذي أرسله الله ليأخذ مكان ولديه وليملأ الفراغ الذي سيحدث بعد موته وموتهما وهما في قمة الشباب،.. ولك أن تتصور وقع هذا على نفسه.. وهنا يختلف فردريك روبرتسن مع الكسندر هوايت، في فهم العواطف التي تجتاح قلب الرجل العجوز، فبينما يؤكد روبرتسن أن الحسد لم يعرف سبيله إلى هذا القلب النبيل، كان هوايت يعتقد العكس، وأن جثسيماني كلها قد اشتعلت في قلبه قبل أن يصل إلى القول: "هو الرب ما يحسن في عينيه يعمل" وأن عالي لو أنه كان على الصورة التي يتصورها روربرتسن لكان من طينة أخرى خلاف طينة الناس،.. وفي نظر هوايت أن عالي بلغ القمة في النبل وهو يرى هذه النبتة الجديدة الطرية، تقلع شجرتي ولديه، وتأخذ مكانهما،.. ومع ذلك فهو يرتفع فوق العواطف الأبوية والمشاعر الشخصية، ويحب الصغير محبة ربما لا تقل عن محبته لحفني وفينحاس، إن لم تزد!!.. هل رأيت الواعظ الشاب يأخذ مكان الواعظ القديم؟!.. وهل رأيت الولد الصغير يصعد سلم الشيخ الفاني؟!.. وهل لك أن تتحدث عن المشاعر العميقة التي يمكن أن تطوف بالذهن والحياة إن المرء لا يقبل أن يتفوق عليه أحد من الناس أو يأخذ مكانه، باستثناء واحد فقط، هو الابن الذي يسر الأب أن يكون امتداداً له في الحياة، أو بعد الموت،.. ولن يغار المرء من ابنه، إذ يتفوق عليه، بل بالحري يغار له ويتحمس لتفوقه،.. وقد رأى عالي في صموئيل ابنه الروحي، ورأى الفرق الشاسع بين الصغير النقي، والابنين الشريرين والمتمردين، وغار للشاب، وسر بأن لا يترك الرب شعبه بدون مرشد أو قائد،.. ونشأت بين الصغير والكبير علاقة من أسمى ما يمكن أن تكون العلاقة بين ابن وأبيه،.. فما أن يسمع الغلام في أعماق الليل صوتاً يناديه باسمه، حتى يسرع إلى عالي ظاناً أنه مصدر الصوت، وإذ يدرك عالي أن الصوت صوت الله وحتى يعلم صموئيل العبارة التي تعلمها ملايين الأولاد في صلاتهم وهم صغار: "تكلم يا رب لأن عبدك سامع".



عالي وإيخابود

كان إيخابود آخر المطاف في قصة الرجل الذي عاش ما يقرب من مائة عام، أو عاش ثمانية وتسعين عاماً، قبل أن تكسر رقبته وينتهي على أشنع صورة من الصور،.. كانت العلامة السوداء هي الراية التي مات تحتها، ولم يشفع فيه أنه كان بطبيعته رجلاً طيباً ومحباً ونبيلاً وغيوراً على بيت الله وكرامته!!.. لقد جاء إيخابود مقراً أن الله لا تهمه العواطف النظرية أو المواقف السلبية، بل لعله لا يضيق بشيء كما يضيق بالمواقف الفلسفية أو الحيادية في معارك الخير والشر،.. عندما قامت المعركة أيام دبورة جلس سبط رأوبين على مساقي الغنم يرقب المعركة من بعيد، وهو أشبه بالقادة العسكريين في غرفة العمليات، يقلبون وجوه النظر في أفضل الطرق إلى النصر،.. مع الفارق الرهيب أنهم يدخلون إلى أتون المعركة بعد ذلك، أما رأوبين فقد فض الجلسات وهو قابع في مكانه يستمع للصغير للقطعان،.. وإخوته يقفون على خط القتال يواجهون الموت، ومن ثم قالت دبورة: "على مساقي رأوبين أقضية قلب عظيمة لماذا أقمت بين الحظائر لسمع الصغير للقطعان. لدى مساقي رأوبين أقضية قلب عظيمة".. وعندما وقفت مدينة ميروز على الحياد جاء الصوت: "العنوا ميروز قال ملاك الرب العنوا ساكنيها لعناً لأنهم لم يأتوا لمعونة الرب بين الجبابرة،.. وسيأتي إيخابود عندما يرى الكاهن واللاوي الجريح على الطريق ويمران دون أن يتقدما لمساعدته ومعونته، وجراحه المنهمرة تنزف بما يجعله على الخط الفاصل بين الحياة والموت،.. وسيأتي عندما نرى الجائع، ونزوده بكلمات حلوة على ما يقول الرسول يعقوب: "إن كان أخ أو أخت عريانيين ومعتازين للقوت اليومي فقال لهما أحدكم أمضيا بسلام استدفئا واشبعا، ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد".. وسيأتي إيخابود عندما تعشش الخطية في كل مكان، وتفقس بيض الأفعى في كل زاوية، ولن تصلح خرافة التصور أنه ما دام تابوت الرب مع المحاربين، فالنصر لابد أن يكون،.. فلن يعين التابوت حفني وفينحاس ابني عالي الدنسين الملوثين، ولن يكون التابوت ستاراً يقف خلفه الزاني والفاسق، والأحمق والشرير، ويكفي أن نقرأ ما قاله إشعياء فيما بعد: اسمعوا كلام الرب يا قضاة سدوم، أصغوا إلى شريعة إلهنا يا شعب عمورة لماذا لي كثرة ذبائحكم يقول الرب. أتخمت مع محرقات كباش وشحم مسمنات وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أسر حينما تأتون لتظهروا أمامي من طلب هذا من أيديكم أن تدوسوا دوري لا تعودوا تأتون بتقدمة باطلة، البخور هو مكرهة لي رأس الشهر والسبت ونداء المحفل، لست أطيق الإثم والاعتكاف، رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي، صارت على ثقلاً. مللت حملها فحين تبسطون أيديكم استرعيني عنكم وإن كثرتم الصلاة لا أسمع، اغتسلوا تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني، كفوا عن فعل الشر، تعلموا فعل الخير اطلبوا الحق، أنصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة".. وهذا ما ذكره إرميا في القول: "ها أنتم متكلون على كلام الكذب الذي لا ينفع أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذباً وتبخرون للبعل وتسيرون وراء آلهة أخرى لم تعرفوها ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دعى باسمه علي وتقولون قد أنقذنا. حتى تعملوا هذه الرجاسات هل صار هذا البيت الذي دعي باسمي عليه مغارة لصوص في أعينكم"..

جاء إيجابود، وزال المجد عن إسرائيل، وسيموت عالي وفينحاس، ولو بجوار التابوت نفسه، وقد أخذ يوآب إلى الموت، وهو متمسك بقرون المذبح، وصدق ذلك الخادم الذي قال له أحد أعضاء كنيسته -وكان رجلاً متعباً- إني سأذهب إلى جبل سيناء، وسأنطق الوصايا العشر بصوت عالي من نفس المكان الذي أخذ فيه موسى هذه الوصايا،.. وأجابه الراعي: إنك لست في حاجة إلى الذهاب هناك، ولكنك في حاجة إلى أن تحفظ الوصايا هنا!!..

جاء إيخابود، لأن عالي جلس على كرسي بجانب الطريق يراقب، لأن قلبه كان مضطرباً لأجل تابوت الله،.. ولا نعلم إلى أي حد اضطرب قلبه والفجور من حول التابوت كان يرتكب في شيلوه كل يوم بدون حياء،.. بالحماقة الإنسان الذي يهتم بالمظهر دون الحقيقة، وبالطقس دون المضمون!!.. "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تنقون خارج الكأس والصفحة وهما من داخل مملوآن اختطافاً ودعارة، أيها الفريسي الأعمى نق أولاً داخل الكأس والصفحة لكي يكون خارجهما أيضاً نقياً، ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تشبهون قبوراً مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة"..

جاء إيخابود لأن المعركة الحقيقية لم تكن بين إسرائيل والفلسطينيين، بل كانت بين إسرائيل والخطية، وقد زال المجد عن إسرائيل لأن الخطية وحدها هي التي تقبل كل مجد، لأن البر يرفع شأن الأمة، وعار الشعوب الخطية!!..

جاء إيخابود وارتفع العلم الأسود مرفرفاً على كل شيء،.. وأتت العلامة القاصمة للظهر، بل التي تكس العنق، فعالي يسقط من فوق كرسيه لتكسر رقبته، وابناه يموتان في الحرب، وتتعسر ولادة كنته، وتموت أثناء الولادة، وتلد ابنها الذي أطلقت عليه إيخابود والذي معناه "زال المجد" والمصائب لا تأتي فرادي كما يقولون، بل جاءت شاملة قاسية متسعة، مجسمة في اسم حفيد عالي، ومعلنة صدق الله الذي وإن أمهل لا يهمل، وإن توانى فهوذا لطف الله وصرامته!!..

جاء إىخابود ولم تقف نهاية القصة عنده، بل امتدت في سلسلة أجيال أخرى تأتي، وذلك لأن الله هو القائل: أكرم الذين يكرمونني والذين يحتقرونني يصغرون.. هل يمكن -ونحن نرى كل هذا- أن نصيح مع إرميا: "أيها الرب رجاء إسرائيل كل الذين يتركونك يخزون. الحائدون عني في التراب يكتبون لأنهم تركوا الرب ينبوع المياه الحية. اشفني يا رب فأشفى خلصني فأخلص لأنك أنت تسبيحتي"؟؟. كانت العلامة السوداء يمكن أن تغطي كل شيء، ويسود الظلام، في أيام عالي، لولا أن رحمة الله أرسلت شعاعاً من نور في صوت غلام يصلي: "تكلم يا رب فإن عبدك سامع!!".


moharb غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-05-2010, 06:50 PM   #24
 
رقم العضوية : 2056
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 14,464
معدل التقييم : 10
ابو ماضى is on a distinguished road
افتراضي

شكرا علي الموضوع الرائع

ابو ماضى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-05-2010, 09:47 AM   #25
 
رقم العضوية : 416
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 313
معدل التقييم : 10
moharb is on a distinguished road
افتراضي

شكرا ابو ماضى لمرورك الجميل
ربنا يباركك

moharb غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-05-2010, 09:52 AM   #26
 
رقم العضوية : 416
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 313
معدل التقييم : 10
moharb is on a distinguished road
افتراضي

( 21 )

صموئيل

"..فقال صموئيل تكلم لأن عبدك سامع"

(1صم 3: 10)

مقدمة

ما من شك بأن صورة الصبي صموئيل وهو يصلي، الصورة التي رسمها الرسام العظيم يشوع رينولدز تعد من أشهر الصور المألوفة بين الناس، والمنتشرة في كل مكان، وهي الصورة التي ترتبط في أذهان الناس بهذا الصغير كما أسلمته أمه لله وللخلود، وما من شك بأن قصة صموئيل من أحلى القصص التي استخدمتها الأمهات في تربية أولادهن تربية صحيحة سليمة أمام الله والناس، ومن المعتقد أن سوسنة ويسلي التي ولدت تسعة عشر طفلاً عاش عشرة منهم، علمت أولادها هذه القصص، وهم في بكورة الحياة، لعل واحداً منهم يمكن أن يكون صموئيل آخر، وقد شاء الله أن يخرج من هولاء الأولاد، لا واحداً فحسب بل اثنين، يوحنا ويسلي، وأخاه تشارلس ويسلي، كان يوحنا ويسلي مؤسس الكنيسة "الميثودست" والمصلح العظيم، والكلمة "ميثودست" أطلقها في باديء الأمر الساخرون من يوحنا لما اتسمت به حركته من الدقة البالغة والحرص الشديد على النظام، ولعله تعلم هذا من أمه التي ربت أولادها على خوف الله، وخدمة الآخرين، والعمل المنظم، كان يوحنا ويسلي الخامس عشر بين إخوته، ومع هذا العدد الكثير من الأولاد فإن أمهم علمتهم جميعاً متى يستيقظون، ومتى ينامون، ومتى يأكلون، ومتى يخرجون، ومتى يلعبون أو لا يلعبون، وحتى البكاء أو الصراخ، فقد علمتهم ألا يرتفع صوت أحدهم فيه، وقد قيل أنه ليس بينهم من صرخ بصوت عال بعد السنة الأولى من عمره، وعندما كان يبلغ الواحد منهم الخامسة من عمره كانت لا تتركه حتى يتعلم في يوم واحد الحروف الهجائية، ويتعلم في اليوم الثاني أن يقرأ: "في البدء خلق الله السموات والأرض".. كان يوحنا في السادسة من عمره عندما نجا من حريق حدث في بيت كان فيه، وقالت أمه: لقد عزمت أن أعتني بنفس هذا الصبي الذي نجيته ليمتليء ذهنه بمباديء الديانة الحقيقية،. وعندما ننظر إلى يوحنا ويسلي علينا ألا ننسى أمه سوسنة،.. وعندما تريد أن تعرف الكثير عن صموئيل العظيم الذي يعتقد البعض أنه الرجل الثاني في تاريخ الأمة الإسرائيلية بعد موسى، وأنه كما وصفه دين استانلي: "جمع في شخصيته إلى درجة عظيمة صفات المحطم القديم، والمؤسس الجديد، كان لوثر، وألفرد العظيم، ويوحنا المعمدان، وبولس عصره".. من يكون هذا الرجل وما رسالته التي قدمها لجيله وللأجيال الأخرى التالية؟؟..



صموئيل من هو؟!!

كان صموئيل القاضي الخامس عشر من قضاة إسرائيل، كما كان النبي الأول من سلسلة الأنبياء التي تعاقبت بعد ذلك، وقد أخذته أمه من بكور الحياة إلى الهيكل حيث نما وترعرع هناك إلى جانب عالي الكاهن ما بين الخامسة أو السادسة من العمر إلى الثانية والثلاثين حين مات عالي الكاهن. وأغلب الظن أنه عاش العشرين عاماً التالية، وهو يعد للنهضة التي جاءت بعد ذلك، ولحركة التحرير التي قاد بها الأمة وهو في الثانية والخمسين من العمر، ومن المعتقد أنه خدم الشعب بمفرده أو مع شاول أربعاً وخمسين سنة، ومات في السادسة والثمانين من عمره. وإذا دققنا في صفاته وأخلاقه نلاحظ:


حياة النقاوة

كان صموئيل أشبه بالزهرة البيضاء النقية، تفتحت على الحياة في بيت تقي، وعندما ذهب إلى شيلوه حيث الجو الموبوء الملوث، أغلب الظن أن الولد اندفع برد الفعل أكثر إلى وأعمق الحياة المقدسة،.. وقد قيل إن برنارد شو وهو صبي صغير رأى أباه يدخل البيت مترنحاً من السكر، فتعمق المنظر في نفس الصغير، وأصبح يكره -من كل قلبه ووجدانه- المسكر والخمر، فإذا خرج صموئيل من عند أمه، التي أرضعته لبان الحياة المقدسة، وهي تعده لمستقبله العظيم، ليرى ابني عالي على ما بدا أمامه من قبح الحياة وبذاءة التصرف،.. وإذا امتد به الأمر ليرى ما تفعل الخطية من خراب في الأمة،.. فإن هذه كلها كانت من أهم العوامل التي جعلته من الصغر يتعلم كيف يرفض الشر ويختار الخير، وإذا كان الله لا يمكن أن يتراءى إلا للقلوب المقدسة النقية، فإن الصبي الذي يأتيه الله وهو في الثانية عشرة من العمر- كما يقول اليهود على لسان يوسيفوس -لابد أن يكون نقي القلب، ناصع السريرة: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله".. ونحن إذا تحولنا من هذا الصبي إلى الصبي الأعظم الذي قال لأبويه: "لماذا كنتما تطلبانني، ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي" ندرك كيف يسعى الله إلى الصغار، ويهتم بهم، ويدعوهم إلى حياة القداسة والنقاوة، قبل أن تتعرض حياتهم للتلوث، وهم -فيما خلا الصبي المعصوم- قد لا ينجون من تراب الخطية، وأوحال الفساد، كلما تقدمت بهم الحياة أو ساروا مع الأيام!!..

حياة الذكاء

ومما لا شبهة فيه أن هذا الرجل كان من أذكى الناس على ظهر الأرض، ولا يمكن للأم أن تتركه في السنين الأولى من حياته، وبعد أن فطمته، إلا إذا كانت واثقة من قدرته على التمييز، ومع أننا لا نستطيع أن نحكم بالضبط على سن الفطام، ففي الشرق وفي العصور القديمة، كانت هذه السن تتأخر، إلا أن الأم التي تعلم ولدها، ثم تطمئن على قدرة استيعابه وتمييزه للأمور المتخالفة، لابد وأن تكون يوكابد أخرى علمت موسى، ودفعته إلى قصر فرعون، وكان من المستحيل أن تطغي التعاليم الوثنية على ذهنه، وقد وصلت شيلوه إلى ما يشبه قصر فرعون، عندما أرسلت حنة ابنها إلى هناك،.. كانت الرامة على بعد ثلاثة عشر ميلاً من شيلوه،.. وكانت الأم تصنع لابنها جبة تقدمها في الذبيحة السنوية كل عام، لكني أعتقد أنها كانت حريصة على متابعة تقدم ابنها في النعمة والحكمة والقامة عند الله والناس، وإذا كان من المرجح أنه الرجل الثاني بعد موسى في التاريخ الإسرائيلي فيبدو أن ذكاءه كان إلى حد ما قرين الذكاء الموسوي الذي تهذب بكل حكمه المصريين، على أنه ينبغي ألا نرد الذكاء هنا إلى مجرد القدرة العقلية الطبيعية عند الصغير، بل علينا أن نعلم أن هذا الصنف من الناس لابد أن تسانده قدرة إلهية عجيبة، القدرة التي إذا قورنت بغيرها تبدو أشبه بقدرة دانيال والثلاثة فتية: "وفي كل أمر حكمة هم الذي سألهم عنه الملك وجدهم عشرة أضعاف فوق كل المجوس والسحرة الذين في مملكته".. إنه يسيرون وراء ذلك الصبي العجيب الذي قيل عنه: "ولكن يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل، زبداً وعسلا يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير" "وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته"..

حياة الطاعة

وما من شك بأن صموئيل من مطلع حياته عاش حياة الطاعة الكاملة،.. وكأنما يسير وراء الصغير الأعظم الذي سيأتي فيما بعد وقيل عنه: "ثم نزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان خاضعاً لهما" وذهب الصبي صموئيل من الرامة إلى شيلوه، ولست أعلم كيف ودعته أمه في هذه السن الباكرة من الحياة، ومما لا شك فيه أن هذا الوداع هز أعماق وجدانها،.. وكان خليطاً في قلبها بين الحنان والتكريس،.. لكني أهتز إعجاباً للصغير الذي أطاع أمه، ليستقر بعيداً عنها، رغم مشاعر الطفولة العميقة التي تربط بين كل طفل وأمه،.. بل وهو يقبل نذر أمه وأبيه كذبيحة مربوطة إلى قرون المذبح،.. وهو أكثر من ذلك كان خاضعاً لعالي خضوعاً مذهلاً، وما كان عالي بقادر على أن يلقنه الجواب للمنادي الكريم الذي يناديه باسمه في أعماق الليل ليقول: "تكلم يا رب لأن عبدك سامع" لولا أنه يعلم تماماً روح الطاعة التي جبل عليها، وتشربتها حياته على نحو مذهل عجيب، وعندما سارت به الأيام، وطوحته السنون نحو الغروب قال لشاول الملك: "لأن التمرد كخطية العرافة والعناد كالوثن والترافيم".. كان صموئيل من مطلع الحياة إلى النهاية ممتلئاً بروح الطاعة!!..

حياة الوداعة

كانت الطاعة عند صموئيل بروح الوداعة والتواضع، عندما تركته أمه للخدمة -كانت خدمته فتح الباب، وإطفاء السراج، والإسراع وراء نداء عالي،.. كان "خادماً" بدأ سلم الخدمة من الدرجة الملتصقة بالأرض،.. لم يأنف من أبسط الخدمات وأقلها، إنه أشبه بصبي المعلم في أيامنا هذه، وهل رأيت الصبي في الليل يقوم مرة ومرتين، ويذهب إلى عالي قائلاً: "ها أنذا لأنك دعوتني" دون أدنى تأفف أو ضيق؟!!.. من الناس من يطيع إذ تصور أن الدعوة تطلبه للمهام العظيمة الخطيرة، ولكنه يرفض هذه الطاعة إذا جاءته في صورة عمل بسيط صغير كفتح باب أو إطفاء سراج، أو غسل أرجل كما رفض التلاميذ، حتى قام الوديع الأعظم يغسل أرجلهم جميعاً حتى جاء إلى بطرس الذي ظنها مهانة لسيده لا يقبلها، إلى أن أدرك: “أتفهمون ما قد صنعت بكم أنتم تدعونني معلماً وسيداً وحسناً تقولون، لأني أنا كذلك، فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض، لأني أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً، أقول لكم إنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله. إن عملتم هذا فطوباكم إن عملتموه”.. وأية طوبى لصموئيل الصغير الذي ذهب في طريق الوداعة إلى الحد أنه يسمع صوت عالي في أعماق الليل لعمل عادي بسيط،.. وهو لا يدري أنه يصل بهذه الوداعة البسيطة إلى أعظم ما يدور بخيال الإنسان،.. إنه ليس عالي بل الله السرمدي الذي ينادي الصبي الصغير!!.. إن الوداعة تحمل دائماً جزاءها الكبير لصاحبها دون أن يدري!!..

حياة الشجاعة

وقد بلغ الذروة في الشجاعة، وهو يقاوم تأثير البيئة المدمر في شيلوه، وهل من اليسير على الصبي الصغير، وهو يرى التجربة تكتسح الجميع إلى الدرجة التي قيل معها: "لأن الناس استهانوا تقدمة الرب".. هل من اليسير على هذا الصبي أن يصمد في المعركة وهو يرى المنشال ذا الثلاثة أسنان يعمل عمله عند طبخ اللحم في المرحضة أو المرجل أو المقلى أو القدر، وقد نشل به "صبي" آخر، هو صبي الكاهن، ما شاء من دسم الطعام؟؟. وهل كان من اليسير عليه، وقد استوى عوده، وأصبح شاباً في قوة الشباب، والفجور يدخل إلى خيمة الاجتماع ذاتها، عندما كان أولاد عالي يضاجعون النساء المجتمعات في باب الخيمة؟؟ هل كان من اليسير عليه أن يرفض مثل هذه الحياة الملوثة ما لم تكن له الشجاعة الأدبية العظيمة؟!! إنه صورة الشاب الذي يجد في وقت الهزل، ويسمو في وقت الصغار، ويترفع في منطقة الدنايا،.. كان صموئيل رجلاً عظيماً شجاعاً!..



حياة الصبر

كان في الثانية والثلاثين عند موت عالي أو حول ذلك، وقد ظل عشرين عاماً، يعد الأمة لمعركة التحرير، ولا يذكر الكتاب عنه الكثير في هذه الفترة،.. وأغلب الظن أنه كان يصارع في معركة أهم من تحرير الشعب من الفلسطينيين، إذ كان يصارع في تحرير الشعب من الخطية والدنس،.. وكان هناك آية في الصبر والانتظار، ورجال الله هكذا على الدوام، لابد أن يتزودوا بالصبر الرهيب، وقد يسمح الله لهم بسنوات طويلة في الصحراء مع موسى، وفي التشرد مع داود، وفي العربية مع بولس، ليبلغوا ما شاء الله أن يعطيهم من حياة الانتظار والسكينة والتسليم، ولم يخرج صموئيل عن القاعدة طوال عشرين سنة بعد موت عالي، إلى أن جاء آخر الأمر معركة التحرير!!..

حياة الصلاة

ومنذ تلك الليلة العتيدة التي استمع فيها إلى الله، ولذ له الاستماع، عرف الصغير طريقه إلى حياة الشركة المتعمقة مع الله،.. وقد كان لصموئيل في الصلاة رأي عجيب، إنها ليست علاقة بين الله والإنسان فحسب، أو لذة يلتذ بها من يرفع عينيه إلى الله، أو ملاذاً يلجأ إليه المتضايق كلما ضاق بالحياة أو ضاقت الحياة به، بل إن الامتناع عنها خطية فظيعة لا يستطيع أن يرتكبها، وقد ظهر ذلك في قوله إلى الإسرائيليين عندما طلبوا منه أن يصلي لأجلهم،، وكان جوابه: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطيء إلى الرب فأكف عن الصلاة من أجلهم، بل أعلمكم الطريق الصالح المستقيم".. ونحن لا نستطيع أن نعرف إلى أي مدى بلغ الرجل في حياة الصلاة، غير أنه يمكننا القول إنه كان واحداً من أبرز رجال الله في حياة الصلاة إلى الدرجة التي يجعله الله فيها مثلاً ظاهراً في الأجيال كلها، إذ يقول على لسان إرميا: "ثم قال الرب لي وإن وقف موسى وصموئيل أمامي لا تكون نفسي نحو هذا الشعب أطرحهم من أمامي فيخرجوا".


حياة العدالة

وإلى جانب هذا كله عاش صموئيل حياة العدالة على أسمى ما تكون من ضرب رفيع، كان قاضي الأمة وحاكمها لسنوات متعددة طويلة،.. وعندما جاء أمامها فرد يديه لكل الشعب قائلاً: "وأما أنا فقد شخت وشبت وهوذا أبنائي معكم وأنا قد سرت أمامكم منذ صباي إلى هذا اليوم ها أنذا فاشهدوا عليَّ قدام الرب وقدام مسيحه ثور من أخذت وحمار من أخذت ومن ظلمت ومن سحقت ومن يد من أخذت فدية لأغض عيني عنه فأرد لكم، فقالوا لم تظلمنا ولا سحقتنا ولا أخذت من يد أحد شيئاً".. وبعد أكثر من ألف عام جاء آخر يقول للأفسسيين نفس الشيء وهو يخطب فيهم خطبة الوداع: "فضة أو ذهب أو لباس أحد لم أشته أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي خدمتهما هاتان اليدان".. أي صموئيل وبولس!، هل تسمحان لي وأنا واحد من أصاغر خدام الله، أن أقبل أيديكما، مصلياً إلى الله أن تكون لي ذات اليد النظيفة حتى أغني مع داود: من يصعد إلى جبل الرب، ومن يقوم في موضع قدسه، الطاهر اليدين، والنقي القلب، الذي لم يحمل نفسه إلى الباطل ولا حلف كذباً "يحمل بركة من عند الرب وبراً من إله خلاصه"...


صموئيل وإعداده للخدمة

هذه الحياة، لم تولد بهذه الصورة بين يوم وليلة، بل كانت حصيلة أعداد بعيد عميق طويل لعل أظهره:



صموئيل وأمه

ولا حاجة إلى القول إن أم صموئيل كانت معلمه الأول الذي أعده وكرسه للخدمة المقدسة، وقد كانت حنة من أعظم السيدات اللاواتي ظهرن في التاريخ المقدس، في كل الأجيال، ويكفي أنك تراها في عمق الألم تقول بلغة منتصرة لعالي الكاهن: "لا يا سيدي إني امرأة حزينة ولم أشرب خمراً ولا مسكراً بل أسكب نفسي أمام الرب، لا تحسب أمتك ابنة بليعال لأنه من كثرة كربتي وغيظي قد تكلمت إلى الآن"... لقد شربت المرأة عميقاً من ينبوع النعمة الإلهية، وأعطت ابنها أيضاً معها فشرب!!... لقد تأثر صموئيل أبلغ التأثر بأمه الحبيبة، وما أجمل أن تقف الأم بهذه الصورة لتعد ابنها للرسالة العظيمة الموضوعة عليه من الله... لقد فعلت حنة هذا،.. وفعلته أم يوحنا فم الذهب عندما دعت ولدها من الصغر "عارية"،.. وفعلته مونيكا أم أوغسطينس التي اكتسبت ولدها لله بصبرها ودموعها وصلواتها!!.. ألا ما أجمل ما يقول الكسندر هوايت بهذا الصدد: "لقد كانت أم صموئيل تذهب عاماً بعد عام إلى شيلوه، وتصعد له الجبة التي تصنعها له، وتكبرها عاماً عن العام الذي سبقه، حتى أضحى رجلاً... وعندما مات صموئيل ووصل إلى السماء، وأرجعه الله إلى شاول ليدينه على خطاياه وشره، عرف صموئيل بالجبة ذاتها!!.. وإن كانت هناك مصنوعة من نسيج نوراني أبدي عظيم!!.. على أي حال ما أسعد صموئيل بأمه.. ولو أن حفني وفينحاس كانا لهما أم مثل أم صموئيل "لما ضاع عالي، وولداه، وضاع الكهنوت من بيته!!..

سئل أحدهم: متى نبدأ تربية الطفل؟ فأجاب: قبل أن يولد بثمانين عاماً أي نبدأ بإعداد جده،.. وقال أحد الخدام: لقد ظللت أدرس مدى سبعة عشر عاماً، المنضمين إلى عضوية الكنيسة التي أقوم بخدمتها وكيف انضموا إلى عضويتها، فرأيت أن ثلاثمائة وسبعة وعشرين من ثلاثمائة وأربعة وسبعين كان الأب أو الأم أو كلاهما معاً أتقياء مؤمنين، أما الباقون وقدرهم سبعة وأربعون فقد جاءوا من آباء غير مؤمنين، أو في معنى آخر أن واحداً مقابل سبعة جاء به الله بعيداً عن التأثير البيتي، ومع أننا لا نستطيع أن نفرق بين تأثير الأب أو الأم، لكننا نعلم على أي حال أن تأثير الأم أوفى وأرجح. وقصص الكتاب المقدس خير شاهد على ذلك إذ أن أغلب القادة والملوك أو الأنبياء الذ ين كان خلفهم الأم المقدسة والدافعة لابنها لمجد الله وخدمته.. وفي اختبارات مائة وعشرين خادماً كانوا مجتمعين مرة، وكانوا يتداولون ويتحدثون عن التأثير البيتي في حياتهم ذكر مائة منهم أنهم جاءوا إلى الله والخدمة عن طريق الأم!!..

كان جون راندلف من الأمريكيين المعاصرين الثورة الفرنسية، الثورة التي أخذتها في قوة وقت من الأوقات موجة من الإلحاد، وقد قال هذا الرجل الذي كان يشغل منصباً هاماً في بلاده إني أؤمن أن موجة الإلحاد الفرنسي، كان يمكن أن تكتسحني في طريقها لولا شيء واحد، وهو ذكرى تلك الأيام التي تعودت فيها أمي القديسة، أن تجعلني أركع إلى جوارها، وتمسكني بيدي، وتطلب إليَّ أن أكرر الصلاة الربانية!!...

في ذكريات إحدى الأمهات التي وجدت بعد وفاتها هذه العبارة: نهضت هذا الصباح مبكراً، وصليت من أجل أولادي طالبة أن يصبح الذكور منهم خداماً ومرسلين... وقد أجاب الله هذه الصلاة، إذ جعل أولادها الخمسة خداماً ومرسلين.. كما جعل من بناتها الثلاث شابات نشطات عاملات في الكنيسة التي كن يخدمن فيها!!...

عندما نذكر قصة صموئيل ينبغي ألا ننسى الأم التي قدمته لله ولمجده وخدمته!!..



صموئيل وعالي

لئن كانت حنة تكشف لنا عن الأثر الوراثي في الحياة الدينية، فإن عالي يعطينا صورة البيئة ومدى تأثيرها أيضاً في هذه الحياة،.. أصعدت حنة وزوجها ابنهما إلى شيلوه، وأخذا ثلاثة ثيران وايفة دقيقة وزق خمر، وكان ثور من الثيران -ولا شك- الذبيحة العادية، والثور الثاني ذبيحة الشكر لأجل هذا الابن، والثور الثالث ذبيحة تكريس الابن وتقديسة للخدمة. واستلم عالي الولد وأحبه ولئن كان الزمام قد أفلت من يد هذا الكاهن الشيخ في تربية ولديه حفني وفينحاس، إلا أنه لم يفلت في إعداد هذا الصبي لله، ومع أننا أشرنا إلى سمو روح عالي في هذا الشأن، عندما استعرضنا شخصية عالية ونحن ندرسها على انفراد، إلا أننا نعود فنكرر أن عالي ارتفع فوق الحسد وكل عاطفة بشرية رخيصة، وهو يرى هذا الصغير، يأخذ مكانه ومكان و لديه،.. إلا أنه أحسن تربيته، وأعده كأجمل ما يكون الإعداد!!.. وسعيد الغلام الذي يجد إلى جانب أمه المعلم الطيب النافع العظيم!!..



صموئيل والاختبار الشخصي

ومهما تكن علاقة صموئيل بأمه أو بعالي، ومهما تكن الآثار المترتبة على تعاليمهما له، فإن الأثر الأعمق والأبعد، والذي لا يمكن أن يضيع مع الأيام، هو اللقاء الشخصي مع الله،.. عرف صموئيل الله من سن مبكرة جداً، أو بالحري عرف الله وهو صبي غض صغير، تمتع بالولادة الجديدة في صبح الحياة، وكان يتزايد: "نمواً وصلاحاً لدى الرب والناس أيضاً"... وعندما جاء الرب إلى صموئيل وهو في الثانية عشرة على الأغلب من العمر، كان من المؤكد أنه قد ولدا جديداً من الرب، وإن كان هو ذاته لا يدرك الرب بعد". وكم من الأولاد الصغار يولدون ولادة جديدة، وهم لا يدرون أن الله مس حياتهم بالولادة المباركة، حتى يتكلم الله إليهم كلاماً واضحاً صريحاً مفهوماً!!.. وإذا نسى صموئيل في حياته كل شيء، فهو لا يمكن أن ينسى تلك الليلة الخالدة التي فيها تكلم الله وناداه: صموئيل صموئيل ثلاث مرات متوالية، ومع أن الحديث في حد ذاته كان عن أولاد عالي إلى الدرجة التي خاف فيها صموئيل أن يخبر عالي بالرؤيا حتى أجبره على ذلك،.. لكنه الصوت الذي جاء إلى صموئيل، ليؤكد له وجود الله، وكراهية الله العميقة للخطية، وعتابه القاسي لها،.. وفي الوقت عينه يفتح أمامه الطريق إلى الشركة الخصبة العميقة القوية مع الله حتى يقال: "وكبر صموئيل وكان الرب معه ولم يدع شيئاً من جميع كلامه يسقط إلى الأرض وعرف جميع إسرائيل من دان إلى بئر سبع أنه قد ائتمن صموئيل نبياً للرب، وعاد الرب يتراءى في شيلوه لأن الرب استعلن لصموئيل في شيلوه بكلمة الرب"...



صموئيل والإصلاح الداخلي

لم تكن معركة صموئيل الأول مع الفلسطينيين، بل مع الخطية والشر، وقد عاش صموئيل عشرين عاماً بعد موت عالي يعد بلاده ومواطنيه للنهضة الحقيقية، والإصلاح الداخلي، وقد بدأ هذا الإصلاح أولاً بالألم إذ: "ناح كل بيت إسرائيل وراء الرب"... والإصلاح لا يمكن أن يأتي إلا بالألم والنوح والبكاء على الخطية، وقد بدا هذا شعوراً حاداً عند الشعب، أليست خيمة الاجتماع في شيلوه مهملة، وتابوت العهد في بيت أبيناداب على الحدود، والحياة الروحية راكدة تبعث على الضيق والألم والقلق؟؟... ولن تحدث نهضة روحية على الإطلاق، قبل أن يضيق الناس بالحياة التي يحيونها بعيداً عن الله...!!.

وكانت الخطوة الثانية: نزع الأصنام، إذ نزع الإسرائيليون البعليم والعشتاروث التي أخذوها عن الوثنيين حولهم، والتي أغرقتهم في الشهوات والآثام والبعد عن الله، إذ كانت مبادئها تلهب إحساساتهم وتثير فيهم أحط الغرائز وأدناها،.. ولا يمكن أن تأتي النهضة في كل جيل إلا إذا حطمنا الأصنام التي تربطنا بالعالم وشهوته وفجوره ثم كان الأمر بعد ذلك "إعداد القلب" وما نزع الأصنام إلا الجانب السلبي من موقف الإنسان من العالم والخطية، أما إعداد القلب فهو الجانب الإيجابي الذي يأتي بالتأمل والعزم واختيار الله، ولهذا طالب صموئيل الإسرائيليين أن يعدوا قلوبهم للرب، ويعبدوه وحده،.. وقد جاء المرنم القديم بعد هذا ليدرك حكمة الاتجاه المركز نحو الله عندما قال: "وحد قلبي لخوف اسمك"... ثم طلب صموئيل أكثر من ذلك، إذ دعى إلى "الرابطة الروحية"، ولهذا جمع الأمة في المصفاة لتصلي أمام الله في وحدة روحية رائعة.. والإصلاح الحقيقي هو الذي يتجاوز الفرد والأسرة ليشمل أبناء المتفرقين ليجمع شملهم في وحدة واحدة!!... وهذه الرابطة الروحية لابد أن تجتمع في حزن وتوبة وصوم،.. وكانت صلاة الإسرائيليين مصحوبة بالصوم، والصوم في حد ذاته، ليس مجرد إذلال جسدي، بل هو أكثر من ذلك، إذ هو تفرغ النفس المنكسرة، وهذا ما فعله الإسرائيليون إذ صاموا وسكبوا هناك ماء دليل القلب المسكوب التائب، وكما لا يرجع الماء المهراق مرة أخرى فهكذا هم بذات المعنى تعهدوا ألا يرجعوا إلى آثامهم وخطاياهم وشرورهم، وفسادهم، والآلهة الغريبة التي عبدوها!!..



صموئيل والطريق الدائم إلى النصر

عندما اجتمع الإسرائيليون في المصفاة، رأى الفلسطينيون في هذا التجمع نوعاً من الثورة والتمرد،.. وأرادوا القضاء على هذه الثورة على وجه الباغتة والمفاجئة، وظهروا فجأة أمام المجتمعين للصلاة، وكان الإسرائيليون أعجز وأضعف من أية مواجهة، وكان سلاحهم الأول والأخير الصراخ إلى الله،.. فطلبوا من صموئيل أن يصرخ إلى الله من أجلهم، وقدم صموئيل حملاً رضيعاً، وأصعده محرقة بتمامه إلى الله دليل التسليم الكلي والخضوع التام للمشيئة الإلهية، وإذ تقدم الفلسطينيون للمعركة، أرعدت السماء وصبت الصواعق على رؤوسهم ليعلم الجميع أن النجاة والنصرة من الله، وليست نتيجة جهد بشري، بل هي بالأحرى نتيجة الصلاة، ونصب صموئيل على الطريق بين المصفاة والسن حجراً أطلق عليه حجر المعونة، وقال عبارته المشهورة: "إلى هنا أعاننا الرب"- أيها السالك في الطريق في أرض الأحياء، هل استطعت أن تنصب مثل هذا الحجر؟.. وهل أردكت ماذا تعني هذه الكلمات؟؟، إنها -إن تحدثت- فإنها تتحدث أولاً وقبل كل شيء عن أن سر النجاة أو الحرية أو النصرة يرجع في حياة المؤمن إلى "المعونة" الإلهية... هكذا قالها يعقوب في أخريات حياته وهو يبارك ابني يوسف: "الله الذي رعاني منذ وجودي إلى هذا اليوم" وقالها بولس أمام أغريباس: "فإذ حصلت على معونة من الله بقيت إلى هذا اليوم شاهداً للصغير والكبير، ولن ينجح الإنسان في معركة واحدة في الحياة بدون الله.. على أنه في الوقت ذاته لا نجاح على الإطلاق بدون الجهد البشري لأن الكلمة "أعاننا" تشير إلى إنسان يجاهد في الوقت الذي ينتظر فيه معونة الرب،.. على أن الأمر أكثر من ذلك، إذ أن الكلمة "إلى ههنا" تعني أن المعركة ليست واحدة. بل هي معركة تتلوها معارك أخرى متعددة، طالما نحن أحياء على الأرض،.. أو في لغة أخرى: إنه ليس وقوفاً عند الماضي متحجرين، بل هو انطلاق إلى الحاضر والمستقبل على طريق النصر!!.. وهو آخر الكل وثبة الإيمان الشاكر لله في الحياة، فكلما وقع الإنسان في أزمة، كلما وقف بذكراه أمام الحجر، الذي ينطق، بأن الله هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد،... وما حدث في الماضي عربون دائم لما يمكن أن يحدث في الحاضر والمستقبل أيضاً أمام أزمات الحياة.... وليكن هتافنا على الدوام: يعظم انتصارنا بالذي أحبنا!!..



صموئيل والحساب الختامي

كنت أتمنى أن يفتننا يشوع رينولدز بصورة أخرى عن صموئيل، إلى جانب صورته العظيمة عن الصبي المصلي، وكنت أتمنى أن يعطينا صورة الشيخ العظيم في الجلجال، كما أعطانا صورة الصبي النقي في خيمة الاجتماع في شيلوه،.. إنه من الحسن جداً أن نرى الصورة الأولى، ونحن في الخطوات المبتدئة من الحياة، حيث البراءة والنقاوة والبساطة التي تملأ حياتنا كأطفال، لكن ربما الأجمل والأعظم عندما نقف باليد النظيفة والحياة الباذلة كما وقف صموئيل عند تتويج الملك شاول في الجلجال!!.. هناك نراه في جمال الغسق عند الغروب،.. قد نجده فقير اليد، متهدم الجسم، خشن الثياب،.. لكنه كان كالآخر الذي يبدو أن غطاءه كان خفيفاً، وهو يقترب من النهاية الأرضية فكتب إلى ولده أن يبادر بالمجيء إليه قبل الشتاء، ولعله لا ينسى الرداء الذي تركه في ترواس،.. عندما ترك يوحنا ويسلي عالمنا، كانت تركته كما يقولون.. طبقاً وملعقتين والكنيسة الوسيلة، وفي الحساب الختامي نرى صموئيل لم يأخذ شيئاً من أحد بشهادة الأمة كلها!!.

هل سار هؤلاء جميعاً وغيرهم من أعظم الأبطال وراء ذلك الذي -وهو رب السماء والأرض،.. لم يجد في مولده سوى المذود، وفي سيره في الطريق قال: للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، أما ابن الإسنان فليس له أين يسند رأسه، وفي موته لم يكن له حتى المقبرة التي يدفن فيها، ووجدوا له مقبرة الرامي لتضمه ثلاثة أيام!!..

يا للحياة القريبة، التي تعطينا اليقين أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، إنما بالجهاد الأمين الناجح، حتى يمكن أن تنتهي إلى القول: "جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي حفظت الإيمان، وأخيراً قد وضع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل، وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً"!!

moharb غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-05-2010, 09:59 AM   #27
 
رقم العضوية : 416
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 313
معدل التقييم : 10
moharb is on a distinguished road
افتراضي

( 22 )

شاول الملك

"..فمات شاول وبنوه الثلاثة وحامل سلاحه وجميع رجاله في ذلك اليوم معاً"

(1صم 31: 6)


مقدمة

منذ سنوات عديدة، كتب شاب إيطالي كتاباً صغيراً عن الشهيد ورجل الله العظيم "چون هس"، وكان هذا الشاب في ذلك الوقت مثالياً يكره العنف والطغيان، ومن ثم جاءت في الكتاب هذه العبارة: أتمنى لكل قاريء لهذا الكتاب أن يكره العنف والطغيان الروحي، بل كل ألوان العنف والطغيان،.. ولكن هذا الشاب اجتذبته السياسة، وتحول شيئاً فشيئاً حتى أصبح طاغية من أكبر طغاة التاريخ، وقد قاده هذا الطغيان إلى مصير مفجع، كان هذا الطاغية هو "موسوليني"!!.. وفي الحقيقة ما أكثر ما تتلون النفس البشرية من النقيض إلى النقيض،.. ولعل هذا يظهر بوضوح في شخصيتين كانتا تحملان اسم "شاول" وكلا الشخصيتين من سبط واحد هو سبط بنيامين، كان الأول شاول بن قيس، الذي بدأ كأروع ما تكون البداءات، لينتهي إلى أسوأ ما يمكن أن تكون النهايات،.. هذا في الوقت الذي بدأ فيه شاول الطرسوسي على العكس بداءة مرهبة قاسية سيئة، لينتهي إلى أجمل ما يمكن أن تكون عليه حياة الإنسان في الأرض، وليس هناك كارثة يمكن أن تكون قدر كارثة الإنسان الذي يبدأ حسناً لينتهي سيئاً، وربما يبدو السؤال الهام وكيف يمكن أن يحدث هذا؟!! إذا أردت أن تعرف السبب الصحيح الوحيد، فإنه يتلخص في كلمتين: “الله” و “النفس”، وموضع كليهما من الإنسان، ومشكلة الإنسان التعس، هو أنه يضع “النفس” مكان الله، فإذا أراد السعادة، والبهجة والعظمة والخلود، فليس عليه إلا أن يعكس الوضع فيتحقق له كل هذا!!.. كانت تعاسة الملك شاول أنه بدأ بالله لينتهي مع النفس، فذهبت قصته مثلاً مخيفاً يقرؤها الناس للتعجب والتحذر معاً… ويجمل بنا أن نراها فيما يلي:


شاول والرغبة الشعبية

لو أنك أردت أن تعرف سر الرجل من البداءة لأدركت أنه قبل وبعد كل شيء نتاج الرغبة الشعبية أو هو في لغة أخرى "نداء المنظور" نداء شعب هتف للمرة الأولى في حياته: "ليحيي الملك"، نداء شعب يريد قائداً منظوراً يواجه أعداءهم، وقد كان الفلسطينيون في ذلك الوقت قوة رهيبة لهم ثلاثون ألف مركبة وستة آلاف فارس، وشعب كالرمل الذي على شاطيء البحر في الكثرة، وربما لم ير الإسرائيليون قوة مماثلة لهذه القوة، فيما سبق منذ وطأة أقدامهم أرض كنعان، ولم يكتف هؤلاء بالحرص على تزايد قوتهم، بل عملوا على الدوام على إضعاف اليهود، وذلك عن طريق خطة ماكرة، إذ قضوا على جميع الحدادين العبرانيين حتى لا يستطيع هؤلاء أن يحرزوا سلاحاً على الإطلاق، ومن ثم كان ينزل إسرائيل إلى الفلسطينيين كي يحدد كل و احد سكته ومنجله وفأسه، عندما كانت حدود السكك والمناجل والمثلثات الأسنان والفؤوس ولترويس المناسيس، ومع أننا لا نعلم كيف سمح الإسرائيليون لأنفسهم أن يصلوا إلى هذه الحالة كلها على أي حال كانت منتهى الذل والضعة والضعف التي وصلوا إليها، ومن ثم جاءت النتيجة الحاسمة لهذه الحالة، فما أن رأى الشعب أعداءهم بهذه القوة والكثرة حتى استولت عليهم الرعدة والفزع فاختبأوا في كل مخبأ يمكن أن يجدوه في المغاير والغياض، والصروح والآبار، وبعضهم عبر الأردن هارباً إلى أرض جاد وجلعاد!!..

على أن نداء المنظور كان إلى جانب ذلك رغبة التفاخر بمنظر الملك المهيب، الذي يواجه الملوك الآخرين، وقد كانت هذه الرغبة عميقة في قلوبهم إلى الدرجة أنهم على استعداد أن "يأخذ بنيكم ويجعلهم لنفسه لمراكبه وفسرانه أمام مراكبه.... ويأخذ بناتكم عطارات وطباخات وخبازات، ويأخذ حقولكم وكرومكم وزيتونكم أجودها ويعطيها لعبده، ويعشر زروعكم وكرومكم ويعطي لخصيانه وعبيده. ويأخذ عبيدكم وجواريكم وشبانكم الحسان وحميركم ويستعملكم لشغله"..

هذه الرغبة مهما تكلف، فهي حياة هذا الشعب في كل التاريخ، وهي صور متكررة للعجل الذهبي الذي صنعوه في سيناء، أو أقامه يربعام بن نباط في بيت إيل ودان، أو العجل الذي يعبدونه إلى اليوم من أيام المسيح إلى الآن، وهو المال الذي يجمعونه في كل أقطار الأرض إلى أن يهديهم الله، ويعيدهم إلى الفادي الذي صلبوه على هضبة الجلجثة في أورشليم!!... وهو "المنظور" عند أي إنسان يضعه ملكاً في حياته بديلاً عن الله، ويظن أنه بذلك يستطيع أن يسير في موكب الحياة،.. وهو لا يعلم أنه لن ينتفع بذلك الملك على النحو الذي يحلم به، بل سيتحول الملك إلى طاغية رهيب: "فتصرخون في ذلك اليوم من وجه ملككم الذي اخترتموه لأنفسكم، فلا يستجيب لكم الرب في ذلك اليوم"... ويح الإنسان إذ يستبدل الله كما استبدله الإسرائيليون، وهل لله من نظير أو بديل كما يقول موسى: "ليس مثل الله يايشورون يركب السماء في معونتك والغمام في عظمته الإله القديم ملجأ والأذرع الأبدية من تحت فطرد من قدامك العدو وقال أهلك فيسكن إسرائيل آمناً وحده تكون عين يعقوب إلى أرض حنطة وخمر وسماؤه تقطر ندى طوباك يا إسرائيل، من مثلك يا شعباً منصوراً بالرب ترس عونك وسيف عظمتك فيتذلل لك أعداؤك وأنت تطأ مرتفعاتهم!!..


شاول والإجابة الإلهية

أدرك صموئيل عندما طلب الإسرائيليون منه ذلك، أن الشعب يقف على مفرق الطريق في أخطر تحول منه عن الله،.. الانتقال من الحكم الإلهي، إلى الحكم الملكي، أو الانتقال من الحكم الإلهي المباشر إلى الحكم الإلهي غير المباشر عن طريق ملك منظور، وما من شك بأن هناك فرقاً بارزاً بين الاثنين، فالأول أقرب إلى النظام الجمهوري بينما يتجه الثاني صوب النظام الملكي الوراثي، الأول يحصر فكره في الله كملك الأمة، وما القضاء والأنبياء إلا خدمه وممثلوه في القيادة وتدبير الأمور دون أن يكون لهم أدنى حقوق على الشعب، بينما يخضع الثاني للمك المنظور وما تفرضه الملكية من التزامات وفرائض!!.. وإذ أصروا على الطلب أجاب الله طلبهم وانتظارهم في شخص شاول،.. وقد كان شاول قمة انتظارهم، وإن كان من الواضح أن الرجل الذي كان ينشده الرب، كان شخصاً يختلف كل الاختلاف عن الصورة المرسومة في أذهانهم.. ولكنها عادة الله دائماً أن يعطي الإنسان حسب شهوة قلبه، وويل لمن له هذه الشهوة، التي تحجب رغبة الله الصحيحة، والتي يرفض أن يعطيها إلا لمن يطلبها بعمق التسليم لإرادته وحكمته.. كان شاول كما يريد الشعب:


الملك المهيب الطلعة

كان شاول الملك المهيب الطلعة، فإذا أخذنا الأمر بالقياس المادي، فهو أطول من كل الشعب من كتفه فما فوق، والجمال الجسدي هو أول ما يلفت النظر في الإنسان، وإن كان مرات كثيرة ما يكون السر الأكبر في خطأ تقييم الشخصية، رأى أحدهم اللورد لويد الذي قاد بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، وكان قصير القامة،.. فقال له: إني أتعجب أن رجلاً مثلك يمكن أن يكون رئيس الوزراء لبلاد تأتي في الطليعة بين الأمم،.. ورد عليه اللورد لويد قائلاً: في بلادكم تقيسون الرجل من هامة الرأس إلى أخمص القدم، وفي بلادنا يقيسون الرجل من هامة رأسه وأسفل ذقنه،... أي أن القياس بالعقل لا بالطول الفارع المديد،.. ومع ذلك فالشعوب تؤخذ في العادة بالبنيان الجسدي، وكان شاول متميزاً من هذا القبيل.


الملك الوطني

على أنه -كان أكثر من ذلك- الملك الوطني الشجاع الذي يدرك معنى رسالة الملك بالنسبة لأمته، فإذا تعرض ناحاش العموني ليابيش جلعاد يريد أن يستعبدها ويذلها على نحو لم يسمع به في كل التاريخ، بتقوير العين اليمني لكل رجل فيها، وإذا بشاول يسمع ويرى بكاء أهل المدينة، فتثور فيه الكرامة الوطنية، وإذ هو يرسل نداءه إلى الأمة كلها، ويأخذ فدان بقر يقطعه ويرسله إلى كل تخوم إسرائيل بيد الرسل قائلاً: من لا يخرج وراء شاول ووراء صموئيل يفعل هكذا ببقرة فوقع رعب الرب على الشعب فخرجوا كرجل واحد وراءه، وهو يدافع عن يابيش جلعاد وينتصر لها، وهو يعيش الملك الوطني حتى يسقط مع أولاده الثلاثة على جبال جلبوع دون أن يتنكر للأمة أو يتخاذل عن قيادتها، مهما أحاطت به الظروف، أو تغيرت به الأوضاع!!.


الملك الديمقراطي

وهو يبدأ حياته الملكية، لا متعالياً على أحد، أو منتقماً من أحد، بل بالحري يطلبونه يوم التتويج، فيجدونه مختبأ بين الأمتعة وهو لا ينسى عندما يتحدث إليه صموئيل في أمر المملكة أنه بنياميني من أصغر أسباط إسرائيل، وأن عشيرته أصغر كل عشائر أسباط بنيامين، وهو يبدأ من القاع، ذهب باحثاً عن أتن ضالة، ليجد مملكة، وإذ يحتقره بنو بليعال لضآلة منبته، ويقولون كيف يخلصنا هذا؟ ويرفضون أن يقدموا له هدية، يصبح كأصم!!.. ولعلنا نلاحظ أنه من فرط الوداعة التي كان عليها أولاً، عندما سأله عمه عما حدث في لقائه مع صموئيل، أجابه: “أخبرنا بأن الأتن قد وجدت، ولكنه لم يخبره بأمر المملكة الذي تكلم به صموئيل”…

الملك الغيور

وهو فيما نقرأ عنه كان الملك الغيور الملتهب العاطفة الذي يقضي على العرافات، ويحاول تطهير المملكة منهن، والجبعونيين الذين قطع يشوع لهم عهداً،.. وإذ يدخل في معركة مع الفلسطينيين يلعن من يتذوق خبزاً حتى المساء قبل أن ينتقم منهم، وهو على استعداد أن يضحي بابنه يوناثان الذي خالف الأمر، وإذا تذوق شيئاً من العسل حمله بطرف النشابة، وكاد أن يقتله لولا أن افتداه الشعب من يده!!..

وهل يمكن أن ينتظر شعب من مليكه أكثر من هذه الخلال العظيمة، الملك المهيب الرائع المنظر، والوطني المتقد، والديمقراطي الوادع،.. والغيور الذي ينقب على مصالح الشعب، ويتقدم لمواجهته في الحرب أو السلم على حد سواء!!..

شاول والفرصة الذهبية

كان شاول من كل وجه يملك الفرصة الذهبية التي أتيحت له،.. لقد أعطاه الله، عندما أدار كتفه من عند صموئيل قلباً آخر، والله يعطي القلب الآخر على الصورة التي يشتهيها المرء أو يطلبها وعندما طلب داود "قلباً نقياً" غسله الله من الخطية البشعة التي تردي فيها وعندما طلب ابنه سليمان "قلباً فهيماً" أعطاه الله هذا القلب وليته طلب مع القلب الفهيم طلب أبيه، إذ أنه حكم مملكة بأكملها، وعجز في الوقت نفسه عن حكمة قلبه الذي مال وراء النساء الغريبة مع بنت فرعون من الموآبيات والعمونيات والصيدونيات والحثيات من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم، فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة... وكان في زمن شيخوخته أن نساءهن أملن قلبه وراء آلهة أخرى... وقد وضع صموئيل ثلاث علامات أمام شاول، هدية الثلاثة الرجال الذين سيلتقي بهم، ويأخذ منهم رغيفي خبز بعد أن يسلموا عليه، ومقابلة الزمرة من الأنبياء عند المرتفعة وأمامهم الرباب والدف والناي والعود، وهم يتنبأون، وسيتنبأ هو مثلهم، وسيتعجب الناس من تنبؤه وسيجيب آخرون بما سيضحى مثلاً بين الجميع: "أشاول بين الأنبياء" وسيكون الجواب: "ومن هو أبوهم"... والأمر الثالث أن الله سيعطيه قلباً آخر، وأغلب الظن أن شاول وقد امتلأ فكره بهذا الشيء العظيم المباغت الجديد، تحول ذهنه من الأتن الضائعة إلى المملكة الضائعة، والتي كان عليه أن يعيدها من قبضة المستعبدين الغاصبين، وكان قلبه مفعماً بهذا الإحساس، وإذ أدار كتفه من عند صموئيل أعطاه الله هذا القلب الآخر، الذي يحمل خواص الملك والقائد،.. وليس في هذا قليل أو كثير من حياة الولادة الجديدة، التي لم يكن يعرفها أو تدور في قلبه ومطلبه،... ومع ذلك فقد أعطاه الله الفرصة للارتفاع إلى ما هو أعلى وأسمى، بالنضمام إلى زمرة الأنبياء، والتي يعتقد أن صموئيل أنشأ مدرستها ليرفع من حياة الأمة، ويسمو بنقاوتها ورسالتها، وارتقى شاول إلى هذا المستوى وتنبأ بينهم،.. وقد أعانه في المعارك المتعددة التي واجهته: "وأخذ شاول الملك على إسرائيل وحارب جميع أعدائه حواليه موآب وبني عمون وآدوم وملوك صوبة والفلسطينيين، وحيثما توجه غلب وفعل ببأس وضرب عماليق وأنقذ إسرائيل من يد ناهبيه،... غير أن هذا كله لم يعط شاول القلب الجديد المولود ثانية من الله، وعندما استولت الخطية على هذا القلب ذهب مرة أخرى ليتنبأ وهو يطارد داود راغباً في قتله، ومن السخرية أنه ذهب إلى نايوت في الرامة، وهناك حل عليه روح وتنبأ هذه المرة وهو عار من ثيابه، ولسنا نعلم ماذا قال في نبوته، ولعله كان أشبه ببلعام بن بعور، أو قيافا رئيس الكهنة أو غيرهما ممن فصل الله في شخصياتهم بين النبوة والحياة، على أي حال أنها الفرصة الذهبية العظيمة، التي أعطاها له الله، كما أعطاها لواحد آخر بعد أكثر من ألف عام ليكون واحداً من الاثنى عشر، ومن الغريب أن كليهما انتهى إلى الليل الرهيب: "فقال شاول لعبيده: فتشوا على امرأة صاحبة جان فأذهب إليها وأسألها... وجاءوا إلى المرأة ليلاً"!!.. "فذاك لما أخذ اللقمة خرج للوقت وكان ليلاً"... أجل وفرصة الله إذ لم تقتنص وضاعت، تنتهي بصاحبها إلى الليل، إلى الظلمة الخارجية، إلى حيث يكون البكاء وصرير الأسنان!!.



شاول والانحدار الرهيب

كان شاول أسوأ حظاً من جواد الاسكندر الأكبر، والذي قيل إن هذا الجواد كان من أعظم الجياد، ولكن ما ركبه أحد إلا وأسقطه على الأرض، وحاول الاسكندر أن يفهم السر، حتى أدرك أن الجواد كان يخاف من ظله، فأداره في اتجاه لا يستطيع معه أن يرى الظل، واستأنسه بهذه الصورة،.. وقد حاول صموئيل أن يفعل نفس الشيء مع شاول، حاول أن يستغل ملكاته، وينقذ نفسه، فأحبه حباً عميقاً، وبكى عليه عندما رفضه الرب الليل كله،.. وقد جاهد بالمشورة والمعونة والنصيحة أن يخرجه من ظل "النفس"، لكن هذا الظل بقى معه إلى النهاية حتى بلغ به جبال جلبوع ليموت هناك مع أولاده الثلاث أشنع ميتة... ولعلنا الآن نرى هذا الظل الرهيب الذي انحدر بالرجل إلى مثل هذا المنحدر القاسي:

شاول وعدم التعمق في الدين

لعله من أغرب الأشياء أن هذا الرجل الذي كان على رأس الأمة كان سطحياً إلى أبعد الحدود في الحياة الدينية، وليس أدل على ذلك من أنه لم يكن حتى ساعة الأتن الضائعة يعرف شخص صموئيل، وصموئيل -كما نعلم- كان في ذلك الوقت نبي الأمة وقاضيها ومحررها، وكان الإسرائيليون يذهبون إليه من كل مكان يتلمسون الحكمة والإرشاد والهداية والدين على يديه، ومن العجب أن شاول عندما ذهب إليه، لم يكن مدفوعاً برغبة دينية، بل لمعرفة الأتن الضالة!!.. كان في ذلك الوقت كما يعتقد البعض في الخامسة والأربعين عن عمره،.. ولكنه أشبه بمن يكون في هذه السن، وعقله في الخامسة أو العاشرة من العمر عند المتخلفين عقلياً، وما أكثر الذين لا تستطيع أن تجد توازناً أو تقابلاً بين أعمارهم، وحياتهم الدينية، أو مبادئهم الخلقية،.. ومن الغريب أن يكون شاول على رأس أمة دينية، وهو أبعد الناس عن العمق الروحي المطلوب،.. كانت هذه ضربته الأولى القاتلة،.. بل هي الأساس لكل الضربات الأخرى اللاحقة، لم يشرب هذا الرجل من النبع العميق الذي شرب منه موسى ويشوع وصموئيل وغيرهم، ولا نعرف له أغنية في حضرة الله، كما ترنم الملك الآتي بعده، أو كما رنم الكثيرون الذين عاشوا يلهجون في ناموس الرب ليلاً ونهاراً،... كان شجرة سامعة طويلة، لكن أصولها الداخلية توقفت بعيداً عن النهر، فعجزت عن أن تجد حياة الارتواء لملك عظيم على رأس أمة!!..

شاول وعدم الصبر

ويبدو هذا في تجاسره على تقديم الذبيحة قبل مجيء صموئيل، وقد كان أمر الله صريحاً له في الانتظار حتى يأتي صموئيل ويقدم المحرقة، وقد تصور البعض أنه قدم الذبيحة بنفسه، وكانت هذه خطيته، غير أن البعض الآخر لا يرى هذا الرأي، ويعتقد أنه أمر واحد من الكهنة أن يقدم الذبيحة، دون أن يقوم هو بالعمل مباشرة، وأياً كان الأمر، فمن الواضح أن صموئيل ركز على عدم انتظاره الميعاد الإلهي، وتعجله في تقديم الذبيحة، وربما اندفع شاول إلى ذلك خوفاً من ملل الشعب أو من هجوم الفلسطينيين، على أي حال فإنه الرجل الذي سمح لمشاعره أو أفكاره الشخصية أن تقوده دون انتظار الإرادة الإلهية،... وهي نقطة الفشل البالغ لمن يعمل مع الله!!.. وما أكثر الذين يفشلون في الحياة، لأنهم لا يريدون انتظار الوقت المعين من الله في حياتهم، لقد كان على موسى أن يصبر أربعين سنة في البرية حتى تأتي إليه رسالة الله، وكان على السيد أن ينتظر ثلاثين سنة في الناصرة ليقوم بعدها بخدمة نيف وثلاث سنوات، ولم يصبر شاول، فانزلق بعدم صبره في المنحدر القاسي!!

شاول والكبرياء

وأين شاول الوديع المتواضع المختفي وراء الأقنعة، من شاول الذي لا يهتم بالتعدي على قول الرب وكلامه بقدر اهتمامه بكرامته الشخصية أمام شيوخ إسرائيل وهو القائل لصموئيل: "قد أخطأت والآن فاكرمني أمام شيوخ شعبي وأمام إسرائيل وارجع معي فاسجد للرب إلهك"؟!. لقد أمره الله أن يقضي قضاء تاماً على عماليق ولكنه لم يطع الله، وأبقى على أجاج ملك عماليق ولعله كان يبغي من وراء ذلك أن يبدو في عظمة الملوك الذين كانوا يرجعون إلى بلادهم بعد الانتصار في الحروب، ومعهم الأسلاب والملوك المهزومون كمظهر من مظاهر عظمتهم ومجدهم، وليس هناك شيء يبغضه الله كما يبغض روح الكبرياء.. في أساطير العصور الوسطى أن تنينا هائلاً ظهر في أحد البلدان، وذهب إليه أبطال المدينة لمحاربته، ولكنه قضى عليهم جميعاً، وكانت الخيل إذ رأته فزعت من منظره، وولت هاربة، دون أن يقدر راكبوها على القضاء عليه، حتى أمر الملك بأن لا يجازف أحد ويغامر بحياته في الصراع معه، غير أن بطلاً واحداً أراد قتله، فعمد إلى صنع تنين من الحديد شبيهاً به، وأخذ يدرب خيله وكلابه على الاقتراب منه دون فزع، ثم ذهب آخر الأمر إلى التنين وقتله، وهتفت المدينة كلها له، ولما دخل على الملك، صاح الملك في وجهه: لقد كسرت قانون الطاعة فلم تعد أهلاً لأن تكون من رعاياي، فخرج الرجل في صمت وخجل، وعند ذاك ناداه الملك وقال له: لقد أضحيت الآن أهلاً لأن تكون من أتباعي، لأن الشخص الذي يستطيع الانتصار على كبريائه أعظم من الذي يقضي على التنين!!... ولم يكن شاول من هذا الصنف، بل تمادى كبريائه إلى السقوط الشنيع الذي وصل إليه!!..

شاول والطمع

وهناك مدمر آخر دخل في حياة الرجل، وهو الطمع، عندما كان فقيراً وصغيراً كان مكتفياً، لكن عندما أثرى واغتنى وبدأ يعيش حياة الملوك، لم تعد هناك نهاية لقناعته، وتولد فيه نوع عجيب من خداع النفس، والمال هكذا يدفع الإنسان إليه.

ولعل الحديث بينه وبين صموئيل يكشف عن هذا الخداع الغريب، إن خوار البقر عند النفس الطامعة أشبه بالموسيقى الحلوة الطروب، وقد أنصت صموئيل إلى هذا الخوار، قال لشاول: "وما هو صوت الغنم هذا في أدنى، وصوت البقر الذي أنا سامع"... وتحدث شاول عن هذه الموسيقى الآتية من خيار البقر والغنم، فقال مخادعاً نفسه، وكأنما يريد أن يخدع صموئيل أيضاً: "من العمالقة قد أتوا بها لأن الشعب قد عفا عن خيار الغنم والبقر لأجل الذبح للرب إلهك"... ومن أن الطامع يتحول في لحظة الطمع إلى عابد وثن، وصوت الدنانير عنده أجمل موسيقى تشنف أذنيه.. والقبح في نظر الآخرين يضحى آية الجمال أمام عينيه، ولهذا قال الرسول بولس لأهل كولوسي: "والطمع الذي هو عبادة أوثان"...

شاول والحسد

وعلاقة شاول بداود أبرع صورة يمكن أن يراها الإنسان في الوضع المتغير لعاطفة الحسود، كان داود في مطلع الأمر محبوباً من شاول، إذ بدأت العلاقة بين الاثنين عندما دخل داود إلى القصر الملكي كعازف على العود لنفس شاول المضطربة أقسى الاضطراب، من الروح الرديء الذي باغته بعد ذهاب روح الله عنه، وجاء داود إلى شاول عازفاً بأروع الألحان، فكان يطيب ويذهب عنه الروح الردي، وأصبح داود حامل سلاح لشاول، ووقف أمامه فأحبه جداً،... وظل الحب قائماً حتى سمع الملك أغنية أخرى من النساء الخارجات بالدفوف والفرح والمثلثات يقلن: "ضرب شاول الوفه وداود ربواته"... وأضحت الأغنية العظيمة نشازاً رهيباً قاسياً في أذنيه،.. فحسد الغلام، وأضحى موته هو الهدف الأعظم أمام عينيه!!.. وعندما يستعبد الحسد إنساناً سيدمره تدميراً!!... في قصة قديمة أن راهباً متعبداً تقياً حاولت الشياطين إسقاطه بمختلف الوسائل فلم يفلحوا، وذهبوا إلى رئيسهم وتحدثوا إليه عن الرجل الذي لم تفلح معه تجارب الشهوة والشك والتعب وما أشبه، فذهب إليه الرئيس وهمس في أذنه بكلمة واحدة، إذ قال له: هل سمعت الأخبار؟.. إن زميلك نصبوه أسقفاً على الإسكندرية، وكانت هذه كافية لإسقاطه، إذ ألهبت قلبه بالغيرة والحسد!!

شاول والتمرد

والتمرد هو أن يسير الإنسان عامداً في الطريق الذي كان يقف ضده بكل حزم في الابتداء، ولعل قصته مع العرافة تتحدث عن ذلك بأجلى وضوح، لقد بدأ عمله بالغيرة لله، والقضاء على العرافة المرتبطة بالجان... وكان مخيفاً مفزعاً للعرافين والعرافات ووصل الرجل إلى الدرك السحيق، فإذا كان الله يفارقه، فليكن، ولا مانع من الالتجاء إلى الشيطان،.. وإذا كان الله لا يتكلم إليه، فلا بأس من أن يسمع، ولو من صوت الشيطان، ماذا سيكون مصيره المظلم أمام عينيه!!.. وهكذا تدور الأيام به وهو يذهب إلى عين دور،... وقد اختلف الشراح والمفسرون أوسع اختلاف حــول روح صموئيـل، وهل جــاءت إلى شاول لكي تتحدث إليه بما سيأتي به الغد،... فمن قائل (1) إنها جاءت فعلاً بجهد المرأة كما يذهب التلمود ويوسيفوس أو بتدخل القوة الإلهية بدون مساعدتها وعلى عكس ما كانت تتوقع (2) أو هو ظهور خيالي شيطاني أو ملائكي لم يأت فيه صموئيل على الإطلاق، وإن كان الله قد استدخم هذا الظهور كإعلان إلهي، وإلى هذا الرأي يذهب لوثر وكلفن وجروتيوس وهول وباترك ومتى هنري.. (3) أو هو ضغط ذهني وتمثيلي أحدثه الله في ذهن المرأة لتنطق ما نطقت به (4) أو هو خداع خرافي تعودت المرأة أن تتحدث به إلى الآخرين مع التحليل النفسي لشخصياتهم وما يقولون أو يطلبون (5) استقراء ذكي للحالة التي كان عليها الملك، وما تعتقد أن الغد سيأتي به له، مع رغبتها في دفعه إلى اليأس، إذ أرادت بذلك أن تنتقم منه للمعاملة القاسية التي عامل بها أصحاب الجان في القضاء عليهم وقتلهم،... وما أزال أميل للرأي القائل إن الله قد جاء بصموئيل على غير العادة وتوقع المرأة ليتكلم إليه بالقضاء الإلهي الذي سيقع عليه، وأن المرأة نفسها روعت على غير العادة بظهور المظهر الذي رأت فيه روح صموئيل، وأنها أشفقت على مصير شاول ولم تكن تقصد انتقاماً منه، بل حاولت أن تسري عنه وتذبح له العجل المسمن لتقدم له كملك أكرم ما عندها من طعام!!.. على أي حال، كان ذهاب شاول إلى العرافة هو آخر مدى في التمرد على الله، والسير بعناد في طريقة المخالفة للمشيئة الإلهية!!..

شاول والمصير المفجع

سار شاول في هذا المنحدر الرهيب حتى انتهى إلى ليلة القاسي الطويل، وعندما ذهب إلى العرافة كان الليل قد لفه من كل جانب، وقد يسأل البعض: متى ابتدأ هذا الليل!!.. لقد ابتدأ من اللحظة التي فارقه فيها روح الرب، وباغته روح رديء ولعل الحكيم القديم كان أدق متحدث عن هذه الحقيقة وهو يقول: "أما سبيل الصديقين فكنور مشرق يتزايد وينير إلى النهار الكامل، أما طريق الأشرار فكالظلام لا يعلمون ما يعثرون به".. كان ليل شاول

..

ليل الحيرة

وهل هناك حيرة أبلغ من كلمة الوحي التي جاءت في سفر أخبار الأيام الأول: "فمات شاول بخيانته التي بها خان الرب من أجل كلام الرب الذي لم يحفظه، وأيضاً لأجل طلبه إلى الجان للسؤال ولم يسأل من الرب فأماته وحول المملكة إلى داود بن يسى" وقد ذكر سر وليم بارت: إن جميع الأنبياء العبرانيين من موسى إلى إشعياء اتحدوا في تحذير الشعب من أية محاولات لاستطلاع المستقبل... فإن العقود على هذا الاتجاه يميل بهم إلى إبهام الفكر الإلهي، وإضعاف الإيمان، والعبادة اللائقة للكائن الواحد القادر على كل شيء، والذي كان على هذه الأمة أن تكشفه للناس"... وأنه لمصير مفجع أن ينتهى قائد الأمة للبحث عن البخت" عن طريق الجان، ومن المؤسف أنه ما يزال إلى اليوم من يتمشون وراء شاول في ليلهم الطويل بالبحث عن "المصير" و"البخت" عن طريق "السحر" و"الرمل" و"الودع" و"النجوم" و"الكوتشينة" و"الفنجان" وقراءة "الكف" و"التنويم المغناطيسي" وما أشبه "ومن الغريب أنه في قمة الحضارة العلمية، وما يزال الكثيرون إلى اليوم يقرأون في الصحف باب "حظك اليوم" أو ما تتحدث به "الأبراج" إلى المولودين في هذا الشهر أو ذاك، ولو عقل الإنسان لأدرك كذب الحديث وضلاله من مجرد حظ التوائم الذين يولدون في يوم واحد، ومع ذلك تختلف حظوظهم كاختلاف حظ عيسو ويعقوب، أو زارح وفارص!!... ولو عقل الإنسان لأدرك أيضاً ما قاله موسى: "السرائر للرب إلهنا والمعلنات لنا ولبنينا إلى الأبد لنعمل بجميع كلمات هذه الشريعة" وما أكده إشعياء: "إلى الشريعة وإلى الشهادة إن لم يقولوا مثل هذا القول فليس لهم فجر"... ولا فجر هناك إلا بالتماس مشورة الله، وكلمته الصالحة، وإرشاده الإلهي في الضمير المدرب، والرسالة الواضحة من المنبر، أو الاختبار، أو نصيحة المؤمنين القديسين وقد رفض شاول نصيحة صموئيل حياً، وبحث -للأسف- عن هذه النصيحة ميتاً،.. وكان هذا منتهى ما وصل إليه الرجل من حيرة وضلال!!..

ليل الدم

وقد طلب الدم من كل جانب، إذ تحول وحشاً، وليس أبلغ من سعيه وراء داود لإراقة دمه والقضاء عليه، وليس هناك أدق أو أعمق من اعترافه مرتين بحقيقة الضياع النفسي الذي وصل إليه: "فلما فرغ داود من التكلم بهذا الكلام إلى شاول قال شاول أهذا صوتك يا ابني داود ورفع شاول صوته وبكى ثم قال لداود أنت أبر مني لأنك جازيتني خيراً وأنا جزيتك شراً وقد أظهرت اليوم أنك عملت بي خيراً لأن الرب قد دفعني بيدك ولم تقتلني فإذا وجد رجل عدوه فهل يطلقه في طريق خير فالرب يجازيك خيراً عما فعلته لي اليوم هذا والآن فإني علمت أنك تكون ملكاً وتثبت بيدك مملكة إسرائيل فأحلف لي الآن بالرب أنك لا تقطع نسلي من بعدي ولا تبيد اسمي من بيت أبي فحلف داود لشاول ثم ذهب شاول إلى بيته وأما داود ورجاله فصعدوا إلى الحصن"... وفي المرة الثانية: "فقال شاول قد أخطأت ارجع يا ابني داود لأني لا أسيء إليك بعد من أجل أن نفسي كانت كريمة في عينيك اليوم. هوذا قد حمقت وضللت كثيراً جداً: فأجاب داود وقال هوذا رمح الملك فليعبر واحد من الغلمان ويأخذه والرب يرد على كل واحد برده وأمانته لأنه قد دفعك الرب اليوم ليدي ولم أشأ أن أمد يدي إلى مسيح الرب، وهوذا كما كانت نفسك عظيمة اليوم في عيني كذلك لتعظم نفسي في عيني الرب فينقذني من كل ضيق فقال شاول لداود مبارك أنت يا ابني داود فإنك تفعل وتقدر. ثم ذهب داود في طريقه ورجع شاول إلى مكانه"... فإذا أضفنا إلى هذا كله واقعة البطش بكهنة الرب، والتي رفض عبيده القيام بها، وقام بها دواغ الأدرمي والذي قتل في يوم واحد خمسة وثمانين رجل البسي أفود الكتاب وضرب مدينة نوب مدينة الكهنة بحد السيف الرجال والنساء والأطفال والرضعان والثيران والحمير والغنم، على أسلوب وحشي رهيب... وكان من المستحيل على شاول أن يغسل يديه من هذا الدم البريء، بل وسيبقى ملطخاً يديه، حتى ولو تعطرت اليدان بكل عطور الدنيا... ولكنه ليل الوحشية والدم الذي وصل إليه!!..

ليل الضياع

وقد انتظره هذا الليل فوق جبال جلبوع، ولم يذهب وحده، بل ذهب أبناؤه الثلاثة معه، وسقط يوناثان النبيل، والظبي الحلو، على الجبال الشامخة، وذهب مع إخوته ضحية هذا الأب، الذي ضيع ابنه، ومملكته، وتاريخه الأول،... وإذا كان لنا أن نغني مع داود نشيد القوس، نشيد الرجل الباكي على عوده، نشيد الإنسان الذي يعلم بأن الطريق قد فتح أمامه للملك، ولكنه مع ذلك لم يشمت أو يهلل بل مزق ثيابه في أروع سمو نفسي، وفي أقوى عاطفة باكية، لأنه لا يمكن أن ينسى أن مصرع شاول ستفرح به على أي حال بنات الغلف، وأعداؤه الذين قطعوا رأسه ونزعوا سلاحه وأرسلوا إلى أرض الفلسطينيين لأجل التبشير في بيت أصنامهم وفي الشعب..

قال صموئيل لشاول: "وغداً أنت وبنوك تكونون معي" وهو يقصد بذلك موته، ولست أتصور هنا أنه يتحدث عن مكانه الأبدي مع صموئيل في السماء، فإن الرجلين قد افترقا في الأرض، وسار كل منهما في طريق تختلف تماماً عن الآخر، وتنتهي إلى مصير لا يتلاقى، فإذا كان لنا أن نطوب صموئيل في مجده الأبدي، فمن حقنا أن نبكي شاول بنفس الدموع التي بكى بها الأعظم: "وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها"... والذي قال: "يا بنات أورشليم لا تبكين عليَّ بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن، لأنه هوذا أيام تأتي يقولون فيها طوبى للعواقر البطون التي لم تلد والثدي التي لم ترضع حينئذ يبتدئون يقولون للجبال أسقطي علينا وللآكام غطينا لأنه إن كانوا بالعود الرطب يفعلون هذا فماذا يكون باليابس"...

moharb غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-05-2010, 08:51 PM   #28
 
رقم العضوية : 416
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 313
معدل التقييم : 10
moharb is on a distinguished road
افتراضي

( 23 )

داود

"..وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي"

(أع 13: 22)

مقدمة

يقول بروفسور بليكي: الناس دائماً واحد في واحد، وأما داود فمجموعة واحدة، إذ قد جمع في شخصيته العظيمة أشتاتاً متعددة من الشخصيات، فهو كأخنوخ في السير مع الله، وكإبراهيم في إيمانه القوي، وكإسحق في تأمله العميق، وكيعقوب في كفاحه ونضاله، وكموسى في التهاب وطنيته، وكيشوع في خياله وهمته، وكجدعون في شجاعته وقوته، وكصموئيل في عدالته وغيرته، كان نبياً، وكان شاعراً، وكان مرنماً، وكان ملكاً، وكان إنساناً، كان كل هذه على حدة، وكان كل هذه مجتمعة معاً!!.. يقول هيجل الفليسوف: إن الشخصيات العظيمة تلقى علينا المزيد من المتاعب في تحليلها، للصفات المختلفة المتباينة فيها، وقد دعا مكارتني داود: "الرجل المتناقض" الذي جمع ما يشبه المتناقضات في حياته،.. وإذا كان فوسدك قد ذكر أن المسيح هو الإنسان الوحيد الكامل الذي وازن بين الكمالات الإلهية في نفسه، كاللطف والصرامة، والفرح والحزن، والغيرة والمحبة والقداسة، فلا توجد فضيلة فيه على حساب الأخرى، فإن داود ربما كان أقرب الناس إلى ابنه الأعظم، مع فارق التناقض الواسع الذي سببته الخطية في حياة الملك الإسرائيلي القديم، ومع ذلك فإن هذا الرجل هو الذي قال عنه الله: "وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي الذي سيصنع مشيئتي!! لم يكن داود معصوماً كالمسيح، ولكنه أدى دوره في الحياة، ويكفيه فخراً أن يكون من أقرب الكواكب اللامعة، إلى شمس البر، إلى ابن الإنسان، إلى ابن الله!!.. وأرجو أن تعلمنا قصته في الصواب والخطأ، كيف نتمسك بالصواب وننتصر على الخطأ، ولذا أرجو أن نراه من النواحي التالية:



داود وشخصيته العظيمة

اسمه داود أو "المحبوب" يعتقد أنه ولد على الأغلب في عام 1085ق.م أو نحو ذلك، وأبوه يسى البيتلحمي، وكان له سبعة من الأخوة وأختان، ومسح على الأغلب في السابعة عشرة من عمره، وصرع جليات وهو في العشرين، وملك على بيت يهوذا في الثلاثين، وعلى كل إسرائيل في السابعة والثلاثين والنصف من العمر، ومات في السبعين أو حوالي 1015ق.م على حساب بعض الشراح،... ومع أنه كان أصغر أولاد يسى، إلا أنه كان أقرب إسرائيلي إلى قلب الله،... ولعلنا ندرك هذه الحقيقة من خلال ما تميز به من صفات.

داود الحلو الجميل الروح

وهذه أول صفة تقابلنا مع هذه الشخصية القديمة: "وكان أشقر مع حلاوة العينين وحسن المنظر"... ومن المؤكد أنه إذا قورن باليآب أو أبيناداب أو شمة أو واحد من إخوته الآخرين، لربما تفوق عليه واحد في الجمال الجسدي، ولكن قياس الله يمتد إلى الداخل، ولا يقف عند منظر العينين أو طول القامة، بل يتغور إلى القلب،.. لم يكن في إسرائيل من هو أطول من شاول،.. لكن قلبه مع ذلك كان أبعد القلوب عن انتظار الله،... لكننا نأتي الآن أمام قلب بشري، كان حلواً وجميل الروح أمام الله،.. إن مأساة الإنسان في العادة أنه يقيس الأشخاص بمقاييس تختلف عن مقياس الله، فقد يقيسهم بالسن، والأكبر هو الأفضل، ولو صح هذا من الوجهة العسكرية أو السياسية، لما سمح اليونانيون للإسكندر الأكبر أن يقود جيوشهم وهو في العشرين من عمره ليغزو العالم وهو في الثلاثين، ولما قادت جان دارك الجيش الفرنسي وهي في الثامنة عشر من عمرها، ولما ظهر وليم بت في انجلترا، وهو من ألمع السياسيين في كل تاريخها الطويل!!... ولو أن القياس بالجمال الجسدي لأخرجنا الكثيرين من عباقرة الدنيا وفلاسفتها العظام، ولما أتيح لسقراط أن يرسخ فلسفة اليونانيين، ولتوماس كارليل أن يبدع بين الانجليز، ولما استطاع ملتون الأعمى أن يرسل إلينا روائع الفردوس المفقود والمردود!!.. ولو حكمنا على الناس بثرواتهم. لأخرجنا من الدائرة الصيادين تلاميذ المسيح، بل أكثر من ذلك لأخرجنا من العالم سيد الكل: "الذي لم يكن له أين يسند رأسه".. إن القياس الأعظم في الإنسان يتمشى على ضربات قلبه ووجيب مشاعره وعمق أسراره،.. مع القلب المجدد النقي الطاهر أمام الله!!...

متى ولد داود الولادة الجديدة؟ لا نعلم، غير أنه من المؤكد أنه عرف الله وتمتع بالميلاد الثاني قبل مسحه ملكاً،…. وأنه من الصباح الباكر في الحياة عزف بقيثارته أمام الله، أحلى الأغاني وأروع الأناشيد!!… ما أسعد أن يأتي أولادنا في صبح الحياة أمام الله كداود، وما أجمل أن يغنوا له كالعصافير المبكرة في أعشاشها، قبل أن يسمعهم العالم أغانيه ومباذله!… وإذا كانوا قد قالوا إن الرئيس إدوارد تجدد في السابعة من عمره، وأن بوليكاربوس واسحق ووتس عرفا المسيح في التاسعة من العمر، وأن متى هنري وروبرت هول جاءا إلى السيد في الحادية عشرة من العمر. فكم أتمنى أن يأتي أولادنا مع صموئيل وداود، ودانيال وتيموثاوس، ليقولوا لإلههم: “تكلم يا رب فإن عبدك سامع!!..

داود الرقيق القلب

وقد كان داود من أرق القلوب التي ظهرت على هذه الأرض، ويكفي أن أمامك مثلين أو ثلاثة على هذه الرقة الدقيقة العجيبة، فهو في أول شبابه وربما في السادسة عشرة من العمر، إذ ظهر فجأة أمامه دب وأسد، واختطفا شاة صغيرة من بين القطيع، وصرخت الشاة،.. ورأت الصرخة في قلب الفتى البطل، ولم يستطع تحمل صرخة الاستنجاد، ودخل الغلام في معركة الحياة والموت من أجل صرخة حيوان أعجم صغير...

في الواقع أني لا أعرف في الأرض من هو أرق من هذا الشخص في كل التاريخ إلا واحداً فقط قال: "أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف وأما الذي هو أجير وليس راعياً الذي ليست الخراف له فيرى الذئب مقبلاً ويترك الخراف ويهرب فيخطف الذئب الخراف ويبددها، والأجير يهرب لأنه أجير ولا يبالي بالخراف"...

والفرق بين داود وابن داود في هذا الشأن واضح، لقد عرض داود حياته من أجل شاة،... وعندما عد الشعب وجاء الغضب الإلهي بالوباء ومات من إسرائيل سبعون ألفاً: "فكلم داود الرب عندما رأى الملاك الضارب الشعب وقال ها أنا أخطأت وأنا أذنبت وأما هؤلاء الخراف فماذا فعلوا فلتكن يدك عليَّ وعلى بيتي"... وكشف له الله عن الذبيحة والفدية!!... وأما الآخر فقد بكى على أورشليم، ولم يقف عند هذا الحد. بل أخذني وأخذك من أنياب الأسد، ومات على الصليب من أجلي ومن أجلك!!... ورقة القلب أيضاً تراها في معاملته لشاول الذي كان يطارده، ويريد القضاء على حياته، ومع ذلك فعندما وقع شاول في يده، وقطع طرف جبته يقول الكتاب: "وكان بعد ذلك أن قلب داود ضربه على قطعه طرف جبة شاول".

وقد تتعجب وتستغرب لهذا، ولكنك لو عرفت المعركة الداخلية في قلب داود، لرأيت مدى الحساسية في قلب الرجل،.. لقد شجعه الذين معه على قتله، ويبدو أن الشيطان قال له: إنه بضربة واحدة ينتهي كل شيء،.. ورفض داود فكر الشيطان،... لكن قلبه ضربه مع ذلك، على مجرد التفكير الداخلي في قتل الرجل!!.. وأية رقة أبلغ من هذه الرقة، إلا في ذاك الذي رفض أن يترك أذن ملخس عبد رئيس الكهنة مقطوعة وهم يهاجمونه يوم الصليب، وأبرأها، ومن فوق الصليب صاح: اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون!!..

وأما الثالثة فكانت يوم أن تأوه داود، وذكر البئر القديمة- بئر بيت لحم- التي كان يشرب منها وهو غلام صغير،... وكان في حرب مع الفلسطينيين، فقال: من يسقيني ماء من بئر بيت لحم التي عند الباب فشق ثلاثة من الأبطال محلة الفلسطينيين واستقوا ماء من بئر بيت لحم التي عند الباب، وحملوه وأتوا به إلى داود، فلم يشأ داود أن يشربه بل سكبه للرب وقال: حاشا لي من قبل إلهي أن أفعل ذلك!! أأشرب دم هؤلاء الرجال بأنفسهم لأنهم إنما أتوا به بأنفسهم، ولم يشأ أن يشربه"... لم يعد أمامه ماء بل دماً، قدمه الأبطال حباً فيه، مغامرين بحياتهم،.. ونظر إليهم وإلى الماء وقال: هذا شيء رهيب إنه أقدس من أن تلمسه شفتاي،.. وسكبه سكيباً للرب!!

كان أحدهم يسير مع تولستوي في الطريق، وإذا به يرى الرجل يسرع إلى جواد مريض ويحتضنه ويقبل رأسه، وقال الرجل: لقد تصورت تولستوي لا يقبل حصاناً، بل كأنما يقبل أخاه ابن أمه وأبيه،... ولكنها هي الرقة التي يرتفع إليها عظماء الناس، وقد تمكنت من داود من هامة الرأس إلى أخمص القدم!!..

داود الصلب الإرادة

إذا أردت أن تعرف تكوين داود النفسي من هذه الناحية يمكنك أن تراه خلال عبارته القائلة في المزمور الثامن عشر: "يعلم يدي القتال فتحنى بذراعي قوس من نحاس".. ومع أن هذه العبارة تكشف في الأصل عن الفتى المفتول العضلات، لكنها تقودك أكثر إلى الإرادة الحديدية المتمكنة من هذا الشاب، ويكفي أن تلقي نظرة على ذلك التمثال المبدع الذي صنعه ميشيل أنجلو لداود، والذي فيه يبدو مفتوح العينين، وقد تصلبت عضلات وجهه وعنقه، ويده المرفوعة إلى عنقه وهي تحمل حجراً يقبض عليه،... إنك يوم تنظر إلى هذا التمثال، ستكتشف أقوى تصميم أو عزم يمكن أن يظهر في حياة الإنسان على الأرض!!.. ولعلنا نذكر هنا كلمات الكسندر هوايت: إن داود لم يعرف حياته قط، أنصاف الحلول أو يرضى بها، وسواء أمسك بالسهم أو الوتر أؤ العود أو المقلاع، فهو الإنسان الذي يشد عزمه وتصميمه إلى النهاية،.. وليست هنا قوة على الأرض تستطيع أن تجعله يتراجع عما يمكن أن يكون قد استقر عليه،... عندما صمم على مواجهة جليات لم يفلح فيه تقريع أخيه وقسوته في التعبير،... لقد عزم على مقاتلة الجبار، ولن يتزحزح قط، حتى ولو اختبأ الإسرائيليون جميعاً في شقوقهم ومغاراتهم،.. وعندما صمم على أن يعود بالتابوت من بيت عوبيد آدوم: "كان داود يرقص بكل قوته أمام الرب" حتى ولو احتقرته ميكال زوجته وهي تنظر إليه راقصاً،.. إن داود راقصاً أو مغنياً أو مقاتلاً، أو خادماً،... كان يفعل هذا بإرادة من حديد، لا تعرف التخاذل أو التراخي دون تفرقة بين أسد يقتله، أو جبار يصرعه، أو بذل يقدمه لله بذات الإحساس والمشاعر والإرادة الصلبة الثابتة!!..

داود القوي الإيمان

تعجب السيد المسيح من إيمان قائد المئة الذي لم ير في إسرائيل إيماناً يماثل إيمانه،.. ولعل شاول وهو يرى داود يواجه الفلسطيني الجبار، تملكه ذات العجب، وهو يراه يعود برأسه أمامه،.. مع أن داود سبق وذهب إلى القصر الملكي لكي يعزف للملك، ويبدو أنه لم يبق هنالك فترة طويلة، فقد كان الجنون يصيب الملك بين الحين والآخر، ويبدو أنه عاد إلى رعاية الأغنام، وانقضت ثلاث سنوات، وأضحى دواد في العشرين من عمره، ونبت شاربه وذقنه، على صورة تغيرت معالمه فيها أمام الملك، وبالإضافة إلى أن العمل الذي عمله كان مذهلاً إلى الدرجة التي لا يمكن أن تربطه بالغلام الذي رآه من ثلاث سنوات وبقى عنده في القصر فترة من الزمن، وعلى أي حال، لقد ظهر الشاب أعجوبة أمام الملك،.. أعجوبة لا نظير لها أو مثيل، ولم يسأل الملك عنه، بل سأل عن أبيه أيضاً، لعل خصائص الوراثة يمكن أن تكون السبب، ولعله ابن أبيه، ومن شابه أباه فما ظلم كما يقولون!!.. غير أن الأمر لا يرتد إلى ميراث يحمل ابن عن أبيه، فقد يحذو الولد حذو أبيه، ويتمثل به، لكن الأمر هنا أبعد عمقاً وأشد أثراً!!... إن رصيد الولد لم يأته قط من أبيه، بل جاءه من مصدر آخر،.. عبر عنه هو أمام الملك،.. لقد كان رصيده محفوظاً في وجدانه عندما التقى بالدب والأسد،..: "قتل عبدك الدب والأسد جميعاً وهذا الفلسطيني الأغلف يكون كواحد منهما لأنه قد عير صفوف الله الحي وقال داود: الذي أنقذني من يد الأسد ومن يد الدب، ينقذني من يد هذا الفلسطيني، وقال شاول لداود: اذهب، وليكن الرب معك"... ولعله من الواجب أن نقف وقفة تأمل في مفهوم الإيمان بالنسبة لشاول، وبالنسبة لداود،.. فالإيمان عند شاول لا يزيد عن كلمة قالها: "اذهب وليكن الرب معك"...

وما أكثر الذين يؤمنون بالله إيمان شاول، فهم لا ينكرون وجوده، وهم يؤمنون أنه قوي وقادر على كل شيء، ومع ذلك فإن هذا الإيمان لا يزيد عن مجرد فكرة نظرية غير قابلة للاختبار مثلهم مثل رجل أقام فوق شلالات نياجرا سلكاً عالياً ومشى عليه وهو يحمل آخر، وصاح واحد من المعجبين: يا له من بطل عظيم... وقال البطل للصائح: هل تريد أن تجرب؟ فارتد فزعاً إلى الوراء وقال: كلا!!.. لكن الإيمان عند داود كان أكثر من ذلك، كان حياة!! وقد وصل داود إلى الحقيقة التي لا يعثر عليها سوى الأبطال!! إما أن إيمانه حقيقي وصادق يثق فيه بالله القادر على كل شيء!!.. أو أن الموت أفضل من الإيمان الذي لا يزيد عن فقاعة خيالية من الهواء في الحياة!!.. والفارق –ولا شك- مهول ورهيب،.. أيها الأخ: إنك ستجد على الدوام في قصة الحياة، أسداً أو دباً، أو جليات، أو مشكلة مستعصية بهذه الصورة أو تلك،.. وستبقى مصدر الرعب أو الفزع لك، إذا عشت تواجهها ولا يزيد لديك الله عن كلمة تؤمن بها، تقرؤها في كتاب أو تسمعها في عظة،.. حتى تدخل إلى المشكلة، وترى الله أكثر من كلمة، إذ تراه الله الحي القادر على كل شيء. وطوبى لجميع منتظريه!!..

داود الشجاع الجسور

إن هذه الرؤيا الإلهية أعطت داود أن يكون واحداً من أشجع الناس الذين ظهروا على هذه الأرض،.. والسؤال الذي يبدو مذهلاً: لماذا خاف الإسرائيليون جميعاً ابتداء من شاول إلى أبنير إلى جميع أفراد الجيش؟؟: "ولما سمع شاول وجميع إسرائيل كلام الفلسطين هذا ارتاعوا وخافوا جداً".. ولماذا لم يخف داود؟!!.. وباديء ذي بدء أن داود لم يكن من طينة أخرى تختلف عن إخوته الثلاثة في المعركة ومن الإسرائيليين جميعاً، كما أنه لم يستخف على الإطلاق بالرجل العملاق الذي يواجهه، فهو يعلم أيضاً أنه مخيف ومرعب،.. ومع ذلك فإنك لا ترى ذرة واحدة من الخوف تستولى عليه) بل بالحري إن داود تعجل اللقاء، راكضاً إليه: "وكان لما قام الفلسطيني وذهب وتقدم للقاء داود أن داود أسرع وركض نحو الصف للقاء الفلسطيني".. ولكن الفارق الحاسم أن الفلسطيني لم ير أمامه سوى غلام صغير حقير، ورأى داود الفلسطيني ولكن رأى الله أيضاً، وإذا بالعملاق يصبح قزماً لا يرتفع إلا أقل القليل عن الأرض،... وهذه الرؤيا بعينها هي التي فرقت بين داود وبقية الإسرائيليين،.. إن سره العميق حوله أغنية في المزمور السابع والعشرين، ليتعلم منه من يريد أن يتعلم أعظم دروس الشجاعة في الأرض: "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف، الرب حصن حياتي ممن أرتعب عندما اقترب إليَّ الأشرار ليأكلوا لحمي مضايقي وأعدائي عثروا وسقطوا، إن نزل عليَّ جيش لا يخاف قلبي إن قامت عليَّ حرب ففي ذلك أنا مطمئن".. ترى هل عرفت السر؟!!.

داود الغيور الملتهب

كان داود أيضاً الرجل الغيور المتلهب في غيرته، وقد لاحقته هذه الغيرة من الصبا حتى آخر الشيخوخة، إذ كانت في حقيقتها تعبيراً إزاء إحساسه بشخص الله وكرامته ومجده،.. عندما ذهب إلى المعركة، كان كل ما ينتظر منه، أن يكون زائراً أو متفرجاً،.. لكن منظراً ظهر أمامه ألهب النار في قلبه، منظر جليات يجدف على الله الحي،.. وهو لا يستطيع أن يحتمل المنظر أو يسمع الكلمات!!... وقد غامر بحياته لأن الموت عنده أهون من إهانة اسم الله، والتجديف على شخصه الكريم... ولم يكن الأمر مجرد اندفاع الشباب يغلي الدم في عروقه إذا ما رأى مالا يطيق رؤياه، بل هي أكثر من ذلك، الغيرة التي جعلته حتى آخر العمر: "أذكر يا رب داود كل ذله كيف حلف للرب نذر لعزيز يعقوب لا أدخل خيمة بيتي لا أصعد على سرير فراشي لا أعطي وسناً لعيني ولا نوماً لأجفاني أو أجد مقاماً للرب مسكناً لعزيز يعقوب".. لقد كان ذله الكبير أنه: "لما سكن الملك في بيته وأراحه الرب من كل الجهات من جميع أعدائه أن الملك قال لناثان النبي أنظر. إني ساكن في بيت من أرز وتابوت الله ساكن داخل الشقق" وهل يجمل به أن يعيش في بيت يبدو أجمل منظراً، وأعظم بهاء من بيت الله؟؟ وفي الحقيقة أن علاقة الإنسان ببيت الله هي واحد من أهم العلامات أو المؤشرات على حقيقة غيرته، والتهاب روحه كانت صرخة حجي النبي: "هل الوقت لكم أنتم أن تسكنوا في بيوتكم المغشاة وهذا البيت خراب"... عندما دخل المسيح الهيكل. ووجد الذين كانوا يبيعون بقراً وغنماً وحماماً، والصيارف جلوساً، فصنع سوطاً من حبال وطرد الجميع من الهيكل. الغنم والبقر، وكب دراهم الصيارف وقلب موائدهم، وقال لباعة الحمام: ارفعوا هذه من ههنا، لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة فتذكر تلاميذه غيرة بيتك أكلتني!!..

داود الواسع الصبر

ومن الغريب أن داود -مع ذلك- كان واسع الصبر، ومن أعظم الناس إتقاناً للتوقيت الإلهي،... فإذا كان آساف هو الكاتب للمزمور الخامس والسبعين، والقائل عن الله: "لأني أعين ميعاداً أنا بالمستقيمات أقضي، ذابت الأرض وكل سكانها أنا وزنت أعمدتها" فإن داود عاش هذه الحقيقة بالتمام، لم يتعجل قط يوماً من أيام الله، مسحه صموئيل للعمل الإلهي،.. غير أنه عاد إلى أغنامه يرعاها حتى يدعوه الله إلى العمل،.. ثم طارده شاول، وعاش سنوات في البرية طريداً مشرداً يقود مئات من البؤساء المطرودين، وجاءه الوقت الذي كان يمكن أن يختزل الميعاد بضربة واحدة، ولكنه رفضها: "وقال داود حي هو الرب أن الرب سوف يضربه أو يأتي يومه فيموت أو ينزل إلى الحرب ويهلك حاشا لي من قبل الرب أن أمد يدي إلى مسيح الرب".. كان فناً من أصعب الفنون فن الانتظار، لرجل خلقه الله بطبع ناري ملتهب، إلا أنه هو القائل: "لأني لك يا رب صبرت أنت تستجيب يا رب إلهي"...

وقد دخل هذا الصبر يوماً من الأيام في أدق امتحان، عندما خرج عليه شمعي بن جيرا يلعنه وهو هارب من أورشليم أمام ابنه أبشالوم، ولم يطق أبيشاي بن صرويه صبراً على هذا السب، فقال: لماذا يسب هذا الكلب الميت سيدي الملك دعني أعبر فأقطع رأسه فقال الملك مالي ومالكم يا بني صرويه، دعوه يسب لأن الرب قال سب داود ومن يقول لماذا تفعل هكذا. وقال داود لأبيشاي ولجميع عبيده هوذا ابني الذي خرج من أحشائي يطلب نفسي فكم بالحري بنياميني، دعوه يسب لأن الرب قال له لعل الرب ينظر إلى مذلتي ويكافئني الرب خيراً عوض مسبته بهذا اليوم"... أجل، وليس هناك ما يكشف في القدرة على الصبر أكثر من التعرض للإيذاء والافتراء والاختلاق مما ليس له أساس من الصحة والحق!!.

داود الوديع المتواضع

وهنا نقف أمام فيضان من العظمة الحقيقية، عندما قتل جليات، وهتفت له الأمة بأكملها وكان في العشرين من عمره، وكان يمكن أن تأخذه نشوة الغرور، ويطالب بوعد الملك في الزواج من ابنته، خاصة وقد أمر شاول عبيده تكلموا مع داود سراً قائلين هوذا قد سر بك الملك وجميع عبيده قد أحبوك فالآن صاهر الملك فتكلم عبيد شاول في أذني داود بهذا الكلام فقال داود هل هو مستخف في أعينكم مصاهرة الملك وأنا رجل مسكين وحقير!!.. وعندما طارده شاول فيما بعد قال له: "وراء من خرج ملك إسرائيل وراء من أنت مطارد، وراء كلب ميت وراء برغوث واحد".. لقد وقفت أمام هذه الوداعة مذهولاً، ولم أعرف بين الناس من تفوق عليها سوى واحد جلس -وهو رب السموات والأرض- متعباً على التراب عند بئر سوخار يتحدث مع امرأة ساقطة، بأرق حديث يمكن أن تسمعه الأذن البشرية، وهو القائل: "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم.. كان يوحنا فم الذهب يقول: إن أساس الفلسفة الوداعة، وبهذا المعنى كان داود فيلسوفاً كبيراً، أدرك أنه مهما يعظم الإنسان فهو دودة حقيرة، هو تراب، هو لا شيء، أمام الله في الوجود!!... طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض!!..

داود المحب الكبير

ومع أن هذه الصفة كان يمكن أن نضعها أول صفات داود، لكني آثرت أن أضعها الصفة الثامنة، التي نحزم بها صفاته، وهي كما يقول الرسول بولس "رباط الكمال"،.. وفي الحقيقة أن هذه الصفة تقف خلف صفاته جميعاً، وتعطيها الحياة والقوة والغذاء لقد أحب الله، وأحب الآخرين، وأحب الخدمة، وحول هذا الحب مزامير خالدة في مسمع الله والإنسان: "أحبك يا رب قوتي" "أحببت لأن الرب يسمع صوت تضرعاتي"..

لقد أعطى الله كل حبه، وعندما رقص أمام التابوت بكل قوته، كان يرقص رقصة الحب الكامل لله، وعندما جلس في حضرة الله وهو يصرخ غارقاً في فيضان هذا الحب: "من أنا يا سيدي الرب وما هو بيتي حتى أوصلتني إلى ههنا"... وإذ خاف أن يتراجع إحساسه في يوم ما هتف هتافه العميق: "باركي يا نفسي الرب وكل ما في بطني ليبارك اسمه القدوس باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته"... وعندما أحب الناس، أحب الجميع. كان حبه ظاهراً في نشيده الذي رثى به يوناثان: "قد تضايقت عليك يا أخي يوناثان كنت حلواً لي جداً محبتك لي أعجب من محبة النساء".. لم يكن داود "المحبوب، بل أكثر من ذلك "المحب"، وقد صدق من قال: إن تكن محبوباً ذاك لا شيء أما أن تحب فذاك كل شيء!!.



داود ومدارسه الكبرى

وقف واحد من شعراء الغرب -من ابن يسى الأصغر- يهتف للوجه الوديع، والدهن المهراق ينساب على رأسه وهو يواجه خدمته المليئة بالتعب والمجد، وتابعه في القصر الملكي، وفي ميدان المعركة، وهو يلمع بالرجاء، وهو محاط بالعزلة، والجروح التي أتته من الصديق، والعطايا التي أخذها من الأعداء،.. والحياة الممتلئة بالإيمان، والذنب، والدموع والدماء، والانتصار. ولعلنا مع هذا الشاعر وغيره نسأل: ما هي المدارس التي دخلها داود وصنعت منه الشخص العجيب الذي أشرنا إليه، وعرفه التاريخ؟!!.. لعلها:



مدرسة الآباء والأجداد

كان داود أكثر أولاد يسى التقاطاً لتاريخ آبائه وأجداده، ومع أننا لا نكاد نعرف الكثير عن يسى أبيه سوى أنه ابن عوبيد بن بوعز من راعوث، ومع أننا لا نعرف شيئاً عن أمه،.. إلا أنه يبدو بوضوح أن الصبي كان على أوفى علم بتاريخ آبائه وأجداده وأنه كان غنياً جداً بالذكريات التي جاءته عن هؤلاء الآباء، وعن معجزات الله معهم، وأنه إذا كان جدعون قد تساءل في حزن وألم عن العجائب التي حدثه آباؤه عنها، والتي صنعها معهم الرب،.. فإن داود كان أكثر تفهماً وشوقاً لهذا الإله، وكان ينتظر من بكور الحياة أن تأتي الكثير من صور العجائب والمعجزات على يديه!!.. كانت مدرسة الآباء والأجداد من أخصب مدارس الحياة في الابن الأصغر ليسي البيتلحمي، وعلى وجه الخصوص أنه كان من النوع الذي يحن إلى الذكريات القديمة، وقد حن ذات يوم إلى جرعة من البئر التي كان يشرب منها من أيام الصبا،.. ومن المؤكد أنه كان يشرب جرعات حلوة كثيرة، من بئر الذكريات العظيمة لآبائه وأجداده الأقدمين!!..



مدرسة الطبيعة

وجهت "هيلين كيلر" سؤالاً عجيباً -وهي عمياء وصماء وبكماء- إلى عدد كبير من الأزواج: ما لون عين زوجتك؟!! ومن الغريب أن أكثرهم –وقد فوجيء بالسؤال لم يستطع أن يصف لون عين زوجته!!.. وما أكثر الذين لهم العيون التي تبصر ولا تتأمل، لكن عين داود لم تكن من هذا النوع، وهي تتأمل الطبيعة العظيمة، التي صنعها الله!!.. لقد أمسك الرجل قيثارته وغنى أحلى الأغاني، وهو يرى هذه الطبيعة الفاتنة: “أيها الرب سيدنا ما أمجد اسمك في كل الأرض… حيث جعلت جلالك فوق السموات… إذا أرى سمواتك عمل أصابعك القمر والنجوم التي كونتها، فمن هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده” “السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه، يوم إلى يوم يذيع كلاماً وليل إلى ليل يبدي علماً لا قول ولا كلام لا يسمع صوتهم في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم، جعل للشمس مسكناً فيها وهي مثل العروس الخارج من حجلته، يبتهج مثل الجبار للسباق في الطريق، من أقصى السموات خروجها ومدارها إلى أقاصيهاولا شيء يختفي من حرها”.. كان “صموئيل كوكس” يضع زهرة بيضاء تذكره بجمال الله ونقاوته وقداسته، وهو يعمل بين العمال الذين امتلأت حياتهم من طين الخطية والدنس، واستنشق داود أجمل الزهور، وعلمه شذاها أن يغني أحلى الأغاني لله!!..



مدرسة الألم

لم تكن الحياة عند داود سهلة هادئة رضية، بل هو الرجل الذي التقى بكافة ألوان الصعاب والمتاعب من مطلع حياته إلى نهايتها وكان أشبه بذلك الإنسان الذي صاح طالب أن يرفع الله عنه الحمل الثقيل، وأجاب الله على صلاته، ولكن بصورة أخرى إذا أعطاه الكتف القوية التي تستطيع حمل الحمل... ونحن نستطيع أن نصور لك الطريق التي سار فيها، والتي التقى فيها من الشباب الباكر بالدب والأسر، وجليات وشاول، وسار ليرى أبشالوم وأخيتوفل وشمعي بن جيرا، ويوآب بن صرويه، وغيرهم ممن حولوا حياته تعباً وألماً وعذاباً متصلاً، فإذا تركنا التي جاءته خطيته البشعة، في قصة بثشبع وأوريا، وإذ تجاوزنا تلك التي جاءته من غفلته وحماقته، يوم ترك صقلغ دون حماية، فأحرقت عن آخرها، فإن السؤال ما يزال باقياً: لماذا يسمح الله بالعذاب من مطاردة شاول له سنوات متعددة، لا يصبح فيها بائساً فحسب، بل -أكثر من ذلك- زعيم البؤساء إذ لحق به كل متعب ومدين ومتضايق وجرب فيها أن يسلك سلوك الأفاقين الجائعين السالبين، حتى شاء الله أن يضع في طريقه أبيجامل لتمنعه من سفك الدماء وانتقام يده لنفسه؟!! إن الجواب على ذلك واضح في أن مدرسة الألم كانت مدرسة التدريب التي يبدو أنها ضرورية في حياة جميع أولاد الله، وهم يسيرون في الطريق الضيق في الأرض، كما أني كشفت في الوقت عينه الإحسان والرحمة والخير والجود التي لا يترك الله أولاده دون أن يرتوا منها، فإذا ظهر في الطريق شاول، فإن هناك يوناثان، وإذ ظهر أخيتوفل، فإن هناك برزلاي الجلعادي، وإذا ظهر نابال، فهناك أبيجايل، وهكذا،… وهي –إلى جانب هذا كله- المدرسة التي تكشف عن انتصار الله الأعظم،… وهي التي علمته أن أشد الظلمة ما كانت خلف الباب، فإذا قيل عنه أنه عندما دخل صقلغ، وكانت المدينة كتلة من الفحم الأسود، وكانت –إذا جاز التعبير “الهباب” الذي وصل إليه، فإنه بعد أيام لا يسترد فقط كل ما أخذ منه بل ينادي به ملكاً على بلاده!!… لقد رأى خلال الألم أغلى الدروس وأعمقها مما سار مطبوعاً في وجدانه مدى الحياة!!..



مدرسة الواجب

وقد تكون هذه المدرسة أعلى مدارس داود وأعظمها، إذ أن الواجب علمه الأمانة إلى الموت وكم وقف هذا الرجل على أبواب الموت وهو يقدس الواجب ولو أنه عاد إلى أبيه يوم هاجمه الدب والأسد، واختطفا الشاة الصغيرة، دون أن ينقذها لما لامه أبوه أو لامه أحد، لكن واجبه المقدس هو الذي دعاه أن يغامر بحياته لإنقاذها،... ومع أنه كان أصغر جداً من أن يواجه جليات، لكن الواجب المقدس عاد مرة أخرى ليرتفع أمام عينيه، وهو يرى أن الحياة لا معنى لها، أمام عملاق يجدف على إلهه ويهين مجده!!..

عندما طلب إلى "ليفنجستون" أن يعود إلى انجلترا، وقد داهته الأمراض والمتاعب،.. أجاب الرجل الذي قدس الواجب: أن أعود إلى انجلترا لتكرمني الملكة، هذا شيء عظيم،.. لكني لا أستطيع لأجل رسالتي العظميى التي يطلبها مني يسوع المسيح!!... ولقد أخذ جسده بعد أن مات ليدفن في مقابر العظماء بانجلترا،... لكنه كان جسداً بلا قلب، لأن وصيته أن ينزع قلبه ليدفن في أفريقيا، في البلاد التي أحبها وخدم سيده فيها!!.. لقد عاش ومات وقلبه للمسيح في خدمة أفريقيا!!.. كان الإحساس بالواجب هو رسالة داود العظيمة من مطلع العمر إلى نهاية الحياة!!..



داود وضعفاته المحزنة

لست أدري لم حرص الكتاب المقدس على أن يبرز ضعفات داود، ومنها ما لا يسقط فيه أبسط المؤمنين وأضعفهم؟!! أغلب الظن أن الكتاب أراد أن يحذرنا جميعاً (أقوياء وضعفاء) بأن قتلى الخطية أقوياء، وأنه لم ينتصر عليها في الأرض سوى شخص واحد، قال: “من منكم يبكتني على خطية” وأننا ينبغي أن نجاهد حتى الدم ضد مكرها، وختلها، وكذبها، وغدرها، وسلطانها،.. على أنه في الوقت نفسه أعطانا أنشودة الرجاء، لأنه ليس المهم –كما قال أحدهم- أن يسقط المرء كما سقط داود سقطته الشنيعة، التي لم يعرف شاول بن قيس مثيلاً لها، لكن الأهم أن شاول بن قيس لم يعرف في حياته المزمور الحادي والخمسين مزمور التوبة أمام الله… وعندما نتحدث عن خطايا لنكن مشبعين بالحذر، وبالرجاء أيضاً!!.. ولنعلم أننا ضعفاء مثله، وأقوياء بالرب أيضاً عندما نلوذ برحمته وإحسانه وجوده!!..



ضعف الإيمان

وهل رأيت العملاق، وهو يواجه الدب والأسد، وجليات، والقائل إن نزل على جيش لا أخاف؟؟ هذا العملاق، عندما يطارد شاول ويصيبه الإعياء، يضعف ويصبح واحداً منا، ويقول ليوناثان بن داود "كخطوة بيني وبين الموت"، وعندما يذهب إلى أخيش ملك جت، ويسمع الملك من عبيده: "أليس هذا داود ملك الأرض، أليس لهذا كن يغنين في الرقص قائلاً ضرب شاول ألوفه وداود ربواته، فوضع داود هذا الكلام في قلبه وخاف جداً من أخيش ملك جت فغير عقله في أعنيهم وتظاهر بالجنون بين أيديهم وأخذ يخربش على مصاريع الباب ويسيل ريقه على لحيته فقال لعبيده هوذا ترون الرجل مجنوناً فلماذا تأتون به إلى العلي محتاج إلى مجانين حتى أتيتم بهذا ليتجنن علي، أهذا يدخل بيتي"..

وأكثر من هذا أن الرجل بعد فترة من الزمن عاد إلى أخيش، وأعطاه أخيش صقلغ، وكاد يحارب مع أخيش ضد شعبه وقومه،.. وهي فترات قاسية مظلمة ليس من السهل تصورها،.. ولكنها الصورة المحزنة عندما يضعف الإيمان في حياة الإنسان حتى ينقذه الله مرات أخرى ليعود إلى إيمانه الأول القديم!!..



ضعف التسامح

ومع أن هذا الرجل كان صارم العدالة مع العماليقي الذي ادعى أنه قتل شاول وحمل إليه سلاحه، ومع الاثنين اللذين قتلا ابن شاول غدرا وغيلة تقرباً منه، إلا أن عواطفه تذبذبت مع ابنه أبشالوم صعوداً ونزولاً، فالولد إذ يقتل أخاه ويهرب، يعاوده الحنين من ناحيته، وإذ يعود بوساطة يوآب يسامحه داود بشرط ألا يرى وجهه، وإذ يثور عليه، ويعلن الفتنة ضده، لا يستطيع تنفيذ العدالة كاملة، كما فعلها يوآب، بل يبكي على ابنه ويتمنى لو ذهب هو مكانه في الموت،.. ومع أنه حلف لشمعي بين جيرة الذي لعنه قاسية ألا يموت، إلا أنه لم ينس إلى الموت هذه اللعنة، وطلب من سليمان أن يتعامل معه بالحكم التي تحدر شيبته إلى الهاوية، ومع أن يوآب خدمه خدمات لا يمكن أن تنسى، إلا أنه لم يستطع نسيان ما عاناه منه، وضم هذا إلى دم أبنير بن نير وعماسا بن يثر، وطلب من ابنه أن يتعامل معه بالصورة التي تحدر شيبته إلى الهاوية أيضاً!!.. ومع أن الكثيرين من الشراح يلفتون أنظارنا إلى أنه من الخطأ أن نحكم على داود وتصرفاته، بما علمنا إياه ابنه العظيم سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن وأما أنا فأقول..." .. وأن داود في الكثير من هذه الأوضاع كان يتكلم بصفته الحاكم العادل الذي ينبغي أن يقتص عدالة الله من المذنب والمجرم ، وأنه وإن كان قد سمح لشمعي بن جير أن يعود إلى بيته بقسم لا يستطيع تجاوزه، لكن شمعي كان ظالماً ينبغي أن ينال عقابه ولو بعد زمن لا لأنه أهان إنساناً، بل لأنه افترى على مسيح الرب بكل افتراء وتضليل، وأنه وإن كان قد أخذته الشفقة على ابنه فإنه كان يمثل صراع العدالة والحب في قلب ملك وأب في نفس الوقت!!.. أياً كان هذا كله، فإن الرجل كان أضعف من أن يصل إلى رحمة ذاك الذي قال عن صالبيه: يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون!!.. وأن المسيحية في شوطها الطويل نحو الغفران، كان لابد أن تصل إلى نور الظهيرة إذا قورنت بالشفق الجميل يظهر ساعة الشروق!!.. وأن داود مهما وصل في سمو نفسه، فهو واحد منا نحن الضعفاء الذين تتذبذب عواطفنا، بين السمو والانحدار،.. وأنه واجبنا الدائم أن ننتصر على الإنسان الضعيف فينا، لئلا نصل في ضعفنا إلى طلب القضاء على خصومنا ونحن على أبواب الموت والنهاية الأرضية..



السقطة الكبرى

على أن هذه كلها، مهما كانت محزنة ومؤلمة، لا شيء على الإطلاق إلى جانب سقطته، بل وصمته الكبرى التي هوى فيها من القمة إلى القاع، في لحظة واحدة، وقد حرص الكتاب على تدوين القصة بكل بشاعتها ولوثتها وخستها، لكي تبقى مدى الأجيال عظة للأقوياء قبل الضعفاء، وللجبابرة قبل العاديين وللذين يأخذون المراكز في الصفوف قبل الذين هم في آخر الصفوف، أنه لا توجد في الإنسان مناعة ضد ميكروب الخطية، .. وأن جراثيمها يمكن أن تتكاثر وتسقط أعظم الأبطال، لولا رحمة الله ونعمته،.. ولقد عرف الشيطان كيف يأتي إلى الرجل، لقد جاءه في وقت الفراغ، وربما إهمال الواجب،.. كانت هناك معركة، ولو قاد داود الجيش، وقاتل في المعركة، لنجا،.. لكنه ترك غيره يؤدي الواجب، وصعد هو إلى أعلى السطح، ليرى امرأة تستحم، ومهما يكن جمال هذه المرأة، فإنها نعجة، لا يمكن أن تكون أجمل وأندر من النعاج الأخرى التي تملأ بيته،.. ولكنها الغريزة القبيحة في الإنسان التي تجعله يرى الممنوع -مرغوباً فيه، منذ ذلك اليوم الذي فيه أكل آدم من الشجرة الوحيدة المحرمة، دون أشجار الجنة العديدة الحلوة الشهية الثمر،... إلى أي حد كان بيت أوريا قريباً من بيت داود، لست أعلم!!؟.. لكنه يبدو أن التجربة كانت أقرب إليه بالكيفية التي خدرته، ولم يستطع معها محاولة الهروب،.. لكن لكن الأمر كان أفظع وأشد أو كما يقول توماس جودين في دراسته العميقة عن "تعدي الخطية": أنه أمر أوريا أكثر من "بثشبع" الذي أوقد غضب الله ضد داود،.. فإذا كانت الخطية قد فاجأته مع بثشبع، وأنه غلب منها بعنصر المباغتة والمفاجأة، فإن الأمر لم يكن هكذا بالنسبة لأوريا، ورفض الذهاب إلى بيته، فإذا لم يفلح التمويه، فلتكن القسوة الشديدة التي تترك البطل في مواجهة الحرب، مع التوصية بالتخلي عنه وتركه ليواجه الموت!!.. إن الخطية، تجر في ذيلها دائماً خطايا كثيرة متعددة، أشنع وأرهب وطريقها دائماً منزلق يسقط القديس الجالس على القمة إلى المنحدر الرهيب،.. والتستر على الخطية، يضيف إليها، خطايا أخرى متعددة، الكذب والغدر والنفاق والقسوة والكبرياء، والرياء،.. وأشر ما في الأمر أن داود استمر على هذا الحال ما يقرب من سنة حتى ولد الولد، وجاءه ناثان النبي،.. هل ذهب إلى بيت الله، هل رنم مع المرنمين؟؟ هل صلى مع المصلين؟؟ إننا نحمد الله كثيراً لأنه لم يترك مزموراً من مزاميره الخالدة في فترة الإثم،.. لقد تحطم تماماً، وعندما غنى مزمور التوبة العظيم كانت طلبته إلى الله "رد لي بهجة خلاصك" لأن الرجل لم تعد تحلو له القيثارة المغنية، ولم يعد له الصوت الطروب، ولم تعد له نقاوة القداسة، لقد أضحى صورة مخدوعة مخادعة للكثيرين والكثيرات!!..

كانت خطيته شنيعة هيهات أن تقتصر عليه، بل تجاوزت الظلام، لأنه ليس خفي لا يعرف ولا مكتوم لا يعلن أو يكشف، وكانت عثرة رهيبة للكثيرين من ذوي الإيمان النقي، وكانت شماتة وسخرية من أعداء الله والحق، وعلى قدر ما يأخذ الإنسان من امتياز ويتحمل من مسئولية على قدر ما تكون خطيته، لقد كانت خطية بيلاطس البنطي عظيمة جداً، لكن المسيح مع ذلك قال له: "لذلك أسلم إليه له خطية أعظم" لأن الذي يودعونه كثيراً يطالبونه بأكثر!!..

لماذا لم ينهض من تلقاء نفسه، ولما انتظر سنة بأكملها حتى جاءه ناثان النبي، أغلب الظن أنه كان أشبه بالوعل في الشبكة، أو العصفور في القفص، أو السمكة في السنارة،.. عندما ثار عليه الضمير، تصوره البعض يحاول مستميتاً أن يثبت أنه لم يفعل شيئاً،.. إنه ملك، وحقه على الرعايا لا ينازع فيه أحد، سواء كانت بثشبع أو أوريا، وله أن يتصرف فيهما كما يشاء أو يريد،.. ثم إنه لم يقتل أوريا، ولم تمتد عليه يد إسرائيل، بل قتل في الحرب، وحتى لو ذهب إلى أقسى مكان، فإن الله لو أراد له أن يحيا لأبقاه، والأرواح كلها بيد الله،.. وعندما مات لم يتنكر لزوجته فقد ضمها إليه، ورفعها إلى مركز الملكات، والوليد الذي جاء منها اعترف به، وأحبه، وتمنى أن يعيش!!... كل هذه وغيرها كانت بعض خياله حتى جاءه أبلج كالنور ليقول: أنت هو الرجل!!..

إن السؤال الآخر الذي يمكن أن تلقيه علينا هذه القصة. كيف تاب داود، وما عناصر توبته الصحيحة؟!!.. من الغريب جداً أن داود يعتبر الشخص الثالث في هذه التوبة، وليس الأول أو الثاني،.. إن الأول هو الله الذي مد يده إلى الأسير في الخطية والله دائماً هو المحرك الأول لكل توبة في حياة الإنسان، ألم يقل إفرايم في لغة إرميا: "توبني فأتوب لأنك أنت الرب إلهي" وألم يقل الرسول بولس: "لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة يقبلون".. والله دائماً هو الأعظم ألما، والأكثر رغبة، في أن ننهض من آثامنا، ونقوم من خطايانا،.. وكان الشخص الثاني ناثان النبي، ولم يتحرك ناثان من تلقاء نفسه بل حركة الله: "فأرسل الرب ناثان إلى داود".. وكان ناثان من أبرع الناس وأحكمهم وأشجعهم، والمثل الذي ينبغي أن يحتذى عندما يحمل المرء رسالة الله للناس، أن الشجاعة لابد أن تكون مقرونة بالحكمة والحكمة لابد أن تكون متسمة بالشجاعة، ونحن نعظهم أو نوبخهم، والله لا يطالبنا أن نكون مندفعين بدعوى الشجاعة أو الصراحة، ونحن نكلم الناس عن خطاياهم لأن رابح النفوس،.. وقد قال سقراط في بعض حكمه إذا وجدت ثوراً هائجاً، فليس من الشجاعة أن تقف في طريقه معرضاً صدرك لقرونه، بل إن الشجاعة أن تعرف كيف تقيده بالحرص والحكمة!!.. وكم يخطي بعض الوعاظ أو الخدام، أنه ما دامت هناك خطية ليقذفها الإنسان بكل حجر ممكن،.. لقد قتل داود جليات بحجر أملس، وقد جاءه هنا الحجر الأملس القاتل للخطية، من فم ناثان،.. لقد جهزه بالقصة المثيرة عن العدالة، وإذ رفع فيه روح العدالة، لم يفزع بعد ذلك، حتى ولو وضع رأسه على كفه أن يقول له: أنت هو الرجل!!.. كان دادو محظوظاً بإلهه، وكان داود محظوظاً بالواعظ الشجاع الحكيم الذي أيقظ إحساسه بالتوبة، ليكتب مزموره العظيم المزمور الحادي والخمسين، ولعلنا نلاحظ أن هذا المزمور قد سلم لإمام المغنيين، ليكون اعترافاً علنياً أمام الله والناس بالتوبة الصادقة!!..

ولعله من الغريب أن تلاحظ أن داود قال في المزمور: "إليك وحدك أخطأت" مع أنه أخطأ إلى بثشبع، وإلى أوريا، وإلى الأمة، ولكنه لم ير واحداً منها جميعاً، لأنها ابتلعت جميعها في الخطية أمام الله، وهو لم يعد يرى في الوجود كله، إلا الخطية، والخاطيء، والله، وخطيته أمام الله تجب كما يقولون رجال القانون كل خطية، وتحتويها، وتتضمنها،.. ومن الغريب أن هذا هو إحساس بولس عندما ركز النظر في خطيته بكيفية لم يعد يرى خاطئاً آخر أثقل منه وأرهب، وصاح: "صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا..".

لم يكن داود في مزموره يبالي بما يصنعه الله به، أو أي عقوبة يوقعها عليه، إنما كان يعينه شيء واحد لا غير أن لا يطرح من أمام الله، أو يبعد عن وجهه: "لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني"...

لم تكن الخطية منفردة، بل مست الأمة كلها، وحتى لا يتصور الناس أن الله لا يبالي بالخطية، حفظ الله روحه، وكشف في الوقت نفسه عن عدالته الصحيحة، فإذا كان قد قتل أوريا بسيف بني عمون، فسيلحق السيف بيته إلى الأبد، وإذا كان قد ارتكب الخطية في جنح الظلام، فسيأتي أقرب الناس إليه ليضطجع مع نسائه في وضح النهار، وتحت عين الشمس!!..

كان الله صادقاً، وكان عادلاً، وكان محباً،.. ومات الولد، لكن من العجيب، أن أخاه سليمان سيكون هو المختار للملكة من بين أبناء داود، والذي من نسله يأتي المسيح مخلص العالم!!..



داود وخدماته

ولعل آخر ما تنتهي به في قصة داود خدماته: "بعدما خدم جيله بمشورة الله رقد".. ومع أنه ليس من السهل ذكر هذه الخدمات جميعاً، لكن يمكن أن نشير إلى أشهرها..

خدم مؤسساً

وقد أسس هذا الرجل امبراطورية واسعة، ووحد الأمة بأكملها، حتى أنه يعتبر المؤسس الحقيقي للدولة الإسرائيلية، ويعتبر داود بحق من أقدم الملوك الذين يمكن أن يوصفوا بالقول: "بناة الملك" استولى على أورشليم التي كان يقطنها اليبوسيون المنحدرون من نسل كنعان، والتي كان يحكمها ملكي صادق أيام إبراهيم، وهي مدينة حصينة تقع على بعد ثلاثة وثلاثين ميلاً من البحر الأبيض، وأربعة عشر ميلاً من البحر الميت، وعندما أراد داود الاستيلاء عليها سخر منه أهلها، فقالوا هازئين ما معناه، إنهم سيجعلون من العميان والعرج حراساً لها، وعلى داود أن ينجح في مقاتلة هؤلاء إذا أراد أن يدخلها، ومن الجائز أنهم جاءوا بجماعة منهم على أسوار المدينة، وكانت هذه منتهى السخرية بداود وقوته، ومنتهى الاعتداد بقوتهم هم،.. وأخطأ اليبوسيون قوة خصمهم وبسالته وجرأته، وأكثر من ذلك نسوا قوة الله التي معه، وسقطت أورشليم في قبضة داود، وأكثر من ذلك نجح داود في تأسيس الدولة وتقويتها، لكي يقدمها لسليمان عزيزة من كافة الجوانب العسكرية والاجتماعية والاقتصادية والروحية!!.



خدم معطياً

ولا شبهة في أنه قدم هبات كثيرة مادية للفقراء والمعوزين والمحتاجين، لكن أعظم عطاياه المادية كانت ما جهزه لبناء بيت الله، لقد أراد داود أن يبني بيتاً لله، إذ لم يرق في نظره أن يكون بيته أفضل من بيت الله، ومع أن الله رفض طلبه لأن يده تلوثت وتخضبت بالدماء، والله لا يريد لبيته -الذي يرمز إلى عظمته ومجده ونقاوته وسلطانه- أن تبنيه يد ملوثة بالدماء، ومع أن الله بيَّن أن البيت سيبنيه ابنه، إلا أن ذلك لم يمنع داود من أن يقدم هباته بسخاء إعداداً لهذا البيت، ولعل ما كتبه الكسندر هوايت بهذا الصدد أجمل ما كتب على الإطلاق إذ قال: "إن الله وحده هو السيد الذي يقدر نية عبيده كما يقدر خدمتهم، والله وحده هو الذي يعطي الأمر الكامل على هذه النية، كما يعطي على أفضل خدمة يقوم بها الإنسان، فواحدة من أعظم وأحسن خدمات داود لم تخرج عن حيز النية الطيبة، لكن الله كافأ داود على هذه النية وأجزل له العطاء كما لو أنه عاش ليرى قباب الهيكل تقع تحت ضوء الشمس".. ومع أن حرمان داود من القيام بهذا العمل العظيم كان له ولا شك وقع قاس على نفسه، إلا أنه جلس في حضرة الرب ليشكر إحسانات الله الغامرة التي أحس أنه صغير وقليل إزاءها، الإحسانات التي لم تكتف أن ترفعه هو، وتتمشى معه، وتحسن إلى الشعب الذي يملك عليه، بل أكثر من ذلك منحته عهداً أبدياً مباركاً في نسله الذي يثبت كرسيه إلى الأبد... في المسيح ابن الله المبارك إلى أبد الآبدين...



خدم مرنماً

لقد انتهت خدمات داود المادية، سواء في الامبراطورية التي أسسها أو الهيكل الذي أُعد له، ونقض، وامتدت إليه يد الخراب، ولكن داود مرنم إسرائيل سيبقى ما بقيت الأرض، وما بقيت هناك موسيقى تعزف بين الناس، هل قرأت أو غنيت معه مزاميره الخالدة العظيمة، نحن لا نستطيع أن نتحدث عن القيمة الروحية لهذه المزامير العظيمة، وسنأخذ على سبيل القياس لا الحصر واحداً منها، وهو المزمور الثالث والعشرين مزمور الراعي، هذا المزمور الذي يطلق عليه بلبل المزامير والذي وصفه هنري وردبيتشر بالقول: "إنه هدأ أحزاناً كثيرة أكثر من كل ما صنعته فلسفة هذا العالم، وأعاد إلى السجن أفكاراً رديئة، وشكوكاً سوداء، وأحزاناً مسرنة أكثر من الرمال التي على الشاطيء.. لقد عزى ذلك المجموع النبيل من الفقراء، وأعطى الشجاعة لجيش الفاشلين، وأرسل بلسان وسكينة إلى قلوب المرضى، وأسرى السجون، والأرامل في حزنهن القاسي، والأيتام في عزلتهم الشديدة، كما أن الجنود المتحضرين ماتوا بسكون وهم يستمعون إلى هذا المزمور، بعد، بل سيغني لأولادي وأولادهم كل الأجيال، ولن يضم جناحيه حتى يصبح السائح الأجير آمناً، عندما ينتهي الزمان، وعندما يطهر راجعاً إلى أحضان السماء، وتختلط موسيقاه بألحان وأنغام الفرح السماوي الأبدي"!!



moharb غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-05-2010, 08:59 PM   #29
 
رقم العضوية : 416
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 313
معدل التقييم : 10
moharb is on a distinguished road
افتراضي

( 24 )

يوناثان

"وقطع يوناثان وداود عهداً لأنه أحبه كنفسه"

(1صم 18: 3)

مقدمة

كان يوناثان بن شاول -وما يزال- واحداً من أعظم المظلومين الذين ظهروا على هذه الأرض،.. بل كان واحداً من المظلومين الذين حملوا صليبهم في صمت، ليسير وراء المظلوم الأعظم بين الناس، والذي قيل عنه: "ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه".. وإذا وجد في الكتاب المقدس تسعة عشر رجلاً يحملون اسم "يوناثان"، ولا يكاد الناس يهتمون بقصصهم، إذ لم يكن فيهم سوى واحد يمكن أن يثير اهتماماً أعظم وأروع، لقصته التي يندر أن يكون لها ضريب في الحب والشجاعة، والأمانة والوفاء والإيمان،... لكن مأساة الرجل هي أنه كان كالبرق الخاطف، وقع بين أشد نور وأقسى ظلمة. وإذ حاول الناس أن يتنبهوا إليه، بعد أن انتقلت عيونهم بين النور والظلام، كان هو قد مرق كالسهم بين الاثنين، ولم ينتبه الناس إلى يوناثان، وهم ينقلون البصر بين داود بن يسى وشاول بن قيس، لقد بكى داود الظبي في نشيد القوس، وطلب أن يتعلم بنو إسرائيل هذا النشيد، ليقفوا بين الحين والآخر، ليبكوا الشاب العظيم الذي سقط صريعاً بين الوفاء لصديقه، والولاء لأبيه،.. وأعتقد أنه من واجبنا -نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور- أن نصعد مرات متعددة فوق جبال جلبوع، لنرى المنظر العظيم بعيون تحمل الكثير من الدموع، ونستمع إلى مرثاة هذا النشيد، لعلنا نتأمل ونتعظ، ونتعلم كيف يعيش الإنسان نبيلاً، ويموت نبيلاً كما عاش ومات الشاب القديم "يوناثان بن شاول"، ولعلنا بعد هذا نستطيع أن نراه فيما يلي:



يوناثان والمحبة القوية

هناك لحظات في الحياة قد لا تزيد عن دقائق أو ساعات يمكن أن تقلب تاريخ الإنسان بأكمله، وهي لحظات تبلغ من جلالها وقدسيتها أن يخلع المرء نعليه وقتها، لأن الأرض التي هو واقف عليها أرض مقدسة،.. كم انقضى من الوقت، وموسى يقف أمام العليقة، ليسمع صوت الرب، ويناديه برسالته العظيمة؟؟، وكم مضى من الوقت، ويشوع أمام رئيس جند الرب؟ وجدعون أمام الملاك؟ وبولس في طريق دمشق؟.. ومع أن يوناثان بن شاول لم يكن له مثل هذا الحظ في الحياة،.. لكن يوناثان انقلب تاريخه بأكمله، وهو يرى جليات الجبار، وسيفه في يدي الغلام العظيم البطل أمام أبيه شاول في المعركة الكبرى!!..

ومع أني لا أعلم بالضبط ماذا قال أفلاطون، وهو يتخيل أن الله عندما خلق نفوس الناس خلق كل نفسين معاً، وجاءت الحياة لتبعثر النفوس، وتظل كل نفس تائهة وحائرة وباحثة عن النفس الأخرى حتى تلتقي بها في زواج موفق أو صداقة عظيمة، أو حب عجيب،.. ومع أني لا أعلم من هذا هذا الصديق الذي أحبه أوغسطينس في مطلع الشباب، وعندما مات تعجب أوغسطينس كيف لم يمت هو معه، وقد كان نفسه الثانية،.. لكني أعلم أن يوناثان عندما أحب داود كان حبه أعجب من حب النساء، وكان داود نفسه الثانية، إذ أحبه كنفسه!!... ومع هذا التعبير عجيب، ولكنه يذكرنا بقول يهوذا: "فالآن متى جئت إلى عبدك أبي والغلام ليس معنا ونفسه مرتبطة بنفسه يكون متى رأى أن الغلام مفقود أنه يموت فينزل عبيدك شبية عبدك أبينا بحزن إلى الهاوية"...

ومن الناس -مع ذلك- من يحب حب "التكامل"، كأن يحب الغني الفقير، والقوي الضعيف، والصحيح المريض، والمترف المنكوب،.. لكن القاعدة الأساسية في الحب الصحيح العميق، وعلى وجه الخصوص، الحب الذي أطلق عليه هوميرس "حب الأبطال" هو حب "التجاوب"، أو يكون المرء حقاً هو النفس الثانية لصاحبه،.. وهذا هو نوع الحب الذي قام بين يوناثان وداود،... لقد ظلت نفس يوناثان، كتصور أفلاطون، تبحث عن النفس الأخرى حتى عثرت عليها في نفس داود،.. لقد كان داود هو النسخة المكررة لنفسه يوناثان، وهذا هو التفسير الوحيد الصحيح للقول: "أحبه كنفسه"... ولعلنا بعد هذا يمكن أن نتعرف على خلال يوناثان من خلال حبه لداود...



يوناثان المؤمن

لم يكن يوناثان مؤمناً فحسب، بل بطلاً من أبطال الإيمان كداود سواء بسواء، ولعلنا نذكر أنه قبل أن يلتقي داود بجليات، التقى يوناثان بالفلسطينيين في معركة من أعجب المعارك التي يمكن أن تدور بخيال الناس، إذ يحارب يوناثان بمفرده ومعه غلامه دون أن يكون معهما آخر، قائلاً: "فقال يوناثان للغلام حامل سلاحه تعال نعبر إلى صف هؤلاء الغلف لعل الله يعمل معنا لأنه ليس للرب مانع من أن يخلص بالكثير أو بالقليل فقال له حامل سلاحه: اعمل كل ما بقلبك تقدم ها أنذا معك حسب قلبك".. ومثل هذا الإنسان عندما يسمع عن داود يلاقي الدب أو الأسد، أو جليات بنفس هذه الروح، إنما يجد إنساناً آخر يسير في نفس الاتجاه، وبذات البطولة،.. ويرى نفسه التي تطرب بالبطولة، محباً لكل إنسان يؤمن بالله، ويرتفع إلى مثل هذا المستوى من الإيمان،... وما الإيمان عنده في الواقع إلا النفس البشرية ملتصقة بمصدر قوتها الهائل، ولا يهم في هذه الحالة، النظر إلى المجرى بقدر الاتجاه إلى المنبع، ومهما تكن الأداة صغيرة أو كبيرة، قليلة أو أكثر، فالعبرة كل عبرة بالله القادر على كل شيء، والذي يستخدم مثل هذه الأداة،... ويبدو أن يوناثان كان قارئاً متعمقاً، في أسفار موسى الخمسة، وما امتلأت بالمعجزات والعجائب، ويبدو أنه كان على علم عظيم بعصر القضاة، وما حفل من أعمال الله، خلال الأداة البشرية الضعيفة!!



يوناثان الشجاع

وشجاعة يوناثان كشجاعة داود لم تكن مجرد اعتداد بالذات، بل هي الشجاعة التي تتولد في الناس عن الشركة مع الله والثقة بعمله العظيم في الأرض!!... ومن الواضح أن هذا الشاب على أي حال. كان يهتز إعجاباً بكافة صور الشجاعة، التي تأخذ بمجامع قلبه،.. والشجاعة في العادة تثير مشاعر الناس، أو تهز عواطفهم، وهي ضرب من أعلى ضروب البطولة عند الأبطال،.. قيل عن قائد من القواد في القرن التاسع الميلادي، أنه أراد أن يهاجم مملكة، فذهب إليها على رأس خمسمائة من الجنود، وما أن سمع الملك بأمر هذا القائد حتى أرسل إليه يقول إنه على استعداد أن يترفق به وبجماعته، إذا ما سلم نفسه بهدوء،.. وما كان من القائد إلا أن دعا واحداً من الجنود أمام رسول الملك، وقال له: اغمد خنجرك في قلبك، فما كان من الجندي إلا أنه أطاع في الحال، وسقط صريعاً أمام قائده، ثم دعا آخر وقال له: ارم بنفسك من أعلى الجبل،.. ففي الحال ألقى بنفسه وأصبح أشلاء!!... ثم التفت إلى الرسول وقال له: اذهب وقل لملكك إن عندي خمسمائة من هذا الطراز وبعد ثمان وأربعين ساعة ستقع أسيراً في يدي.. وما أن سمع الملك وجيشه حتى استولى عليهم الفزع وسلموا في الحال!!.. لم ير يوناثان هذا العدد في جيش أبيه، ولكنه رأى واحداً فقط امتلأ بروح الشجاعة، وأرسل الهزيمة في آلاف الجنود،.. كان هذا الشجاع صنو نفسه، الممتلئة بالقوة والشجاعة!!..



يوناثان المنكر ذاته

كان يوناثان واحداً من أعجب الناس في نكران الذات، وقد لا يجد المرء من يتفوق عليه في هذا السبيل سوى ذاك الذي علق على خشبة العار على هضبة الجلجثة،.. كان عند الاسكندر الأكبر جواد عظيم، لم يستطع واحد من الناس أن يروضه، وكل الذين امتطوا صهوته أسقطهم إلى الأرض بجموحه، وراقب الاسكندر الجواد، وأدرك شيئاً عجيباً، إذ رآه يفزع من ظله، كلما رآه، فما كان من الاسكندر إلا أن أدار وجه الجواد بحيث لا يمكنه رؤية الظل، وانطلق به، وقد ركبه، كأروع ما يكون العدو، وأعظم ما يكون الانطلاق، كانت مشكلة الحيوان الفزع من ظله الذي يراه،...

كان يوناثان الظبي السريع الحركة المنطلق الوثوب، ويبدو أنه من هذا الجانب كان في جمال شكله وسرعة حركته أشبه الأشياء بالظبي الجميل، غير أن هذا الظبي في حركته لم يكن يسير في اتجاه الظل إذا كان الظل وراءه وإلى الخلف، بكيفية لا يمكنه رؤياه، لقد أنكر ذاته وحمل صليبه، دون أن يلتفت إلى الوراء على الإطلاق،.. وكان في ذلك على العكس تماماً من أبيه الذي امتلأ حسد من داود، وأراد القضاء عليه بأي ثمن، لأن الذات تحكمت فيه من كل جانب!!...

في قصة كاجاوا الياباني، وهو ينحدر من عائلة أرستقراطية "نبيلة" أنه هجر بيته من أجل المسيح، وحدث عندما كان في كلية لاهوت، يدرس، أنه انتقد وأربعة من زملائه هيئة إدارة الكلية لفصلهم أحد الطلبة ظلماً،.. فما كان من الكلية إلا أنها قررت فصل هؤلاء المنتقدين أيضاً، وإذ ذهب كاجاوا إلى مدير الكلية ليصافحه المصافحة الأخيرة قبل الخروج قال كاجاوا للمدير، إن المسيحية ديانة المحبة، وكلية اللاهوت لذلك ينبغي أن تكون أيضاً مدرسة المحبة من واجبها أن توجه الطالب المخطيء، والله نفسه لا يرفض أو يهجر أحداً، قبل أن يقومه، وهكذا ينبغي أن تتعامل الكلية، فلا تلفظ أي شخص أخطأ، بل بالحري أن تتعامل معه بالرفق، وإذا كان ولابد من أن تلفظ الكلية أحداً، فأرجو أن أكون أنا هذا الشخص على أن تسامح الكلية، وتعيد زملائي الأربعة، لتقع علىَّ العقوبة وحدي،.. وكانت النتيجة أن الكلية أعادت الجميع!!...





يوناثان الوفي

إذا قرأت قصص يوناثان تستطيع أن ترفض في الحال ما يقال: إن المستحيلات ثلاثة: الغول، والعنقاء، والخل الوفي، توجه يوناثان في الأرض هو وجه الوفاء، وقلب يوناثان في الحياة هو قلب الوفاء، وقد استطاع هذا الوفاء أن يوازن إلى حد غريب أعجب صور الوفاء في حياة الناس، كان وفياً لله، وكان وفياً لصديقه، وكان وفياً لأبيه،.. لقد صنع هذا الشاب القديم من نسيج عظيم اسمه نسيج الوفاء،.. وفي الواقع أن أساس كل وفاء عنده، هو الوفاء لله، فهو أمين لله في الظاهر وفي الباطن، وهو أمين لله، في الخفاء وفي العلن، وهو أمين لله بدون تردد أو إحجام، لأنه يرى الحياة لا تزيد أن تنقص عن حقيقة الأمانة والوفاء لله حتى الموت، كن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة!!... ونحن لا نستطيع أن نفسر وفاء يوناثان لداود أو شاول إلا إذا فسرناهما في ضوء وفائه لله،.. وكان وفياً لداود، وقد بلغ هذا الوفاء الذروة عندما كاد إيمان داود أن ينهار، وقال إن بينه وبين الموت خطوة واحدة،.. وهنا نرى الرجل العظيم في لحظة من أدق اللحظات في حياته،.. ولو انهار إيمانه، لضاع، ولحل محله في الحال يوناثان،.. ولكن هنا الإعجوبة العظيمة، فإن يوناثان ذهب إلى داود ليشجعه ويعيد إليه إيمانه القوي العظيم،.. كان شاول في مطلع الأمر يريد أن يقضي على داود بالخطة الماكرة، إذ يضعه أمام الفلسطينيين، فعلق تزويجه بابنته بمائة من الغلف، أوصلها داود إلى مائتين،.. كان يقصد أن لا يتورط هو في جريمة قتله، فإذا قتله الفلسطينيون، فقد خلا الجو وصفاً أمامه، وكانت الغيوم النفسية تحيط بداود في السبي والمنفى، وكان يمكن أن يتركه يوناثان للسقوط الروحي، ليخلو أمامه الطريق إلى العرش،.. ولكن يوناثان أبى هذه الذلة النفسية أمام خياله وروحه، وشجع داود ليقوي إيمانه، ويثبت إلى العرش مكانه،.. وأي وفاء يمكن أن يكون كهذا الوفاء العظيم!... على أنه كان إلى جانب هذا كله، وفياً لأبيه، إذ وهو يختلف معه تماماً في موقفه من داود، وتختلف روحه عن روح أبيه في كل شيء،.. لكنه لم ينس قط أن الأب هو الأب، وأن الابن البار يمكن أن يكون وفياً لأبيه الشرير، فيكرمه ويحترمه ويسير خلفه، دون أن يتلوث بأعماله وتصرفاته الشريرة، وسار الشاب العظيم يوازن هذه الموازنة الدقيقة، ولو انتهى به الأمر إلى السقوط خلف الأب على جبال جلبوع!!.. حقاً أن يوناثان درس عظيم في الوفاء إلى أن نلتقي بذاك الذي ضرب أعلى الوفاء على جبال الجلجثة في صليب العار!!..



يوناثان والمحبة المضحية

تصور أحدهم داود مرات كثيرة يسأل نفسه عندما وصل إلى العرش: يا ترى هل كان من الممكن أن أصل إلى هذا المكان لو لم يوجد يوناثان؟!!.. ومن المؤكد أن الله كان له الوسائل المتعددة التي بها يستطيع أن يتمم قصده في داود بيوناثان أو غير يوناثان، ولكن من المؤكد أيضاً أن الله أعطى هذه المحبة العميقة المضحية في قلب يوناثان حتى يصل داود إلى عرشه؟!!... على أي حال.. لقد كان يوناثان يعلم تماماً أن حبه لداود لا يمكن أن ينتج أثره أو يتألق كنور الشمس، ما لم يقبل بصورة ما ما قاله آخر في موضع أكثر أهمية وجلالاً: ينبغي أن ذاك يزيد وأني أنا أنقص وقد لا نعرف في قصة يوناثان ما هو أروع مما كتبه الكسندر هوايت عند هذا التصور إذ قال: "وخلع يوناثان الجبة التي عليه وأعطاها لداود مع ثيابه وسيفه وقوسه ومنطقته... فإذا كان خاتم الزواج في يد المرأة هو ختم عهدها مع زوجها، وعهد زوجها معها، وإذا كان قوس قزح هو ختم الله مع نوح ومع الأرض، وإذا كان الماء هو ختم عهد الله في المعمودية، والخبز والخمر في العشاء،.. فإنه بهذا المعنى كانت ثياب يوناثان وسيفه وقوسه ومنطقته، علامات العهود وختومها التي قطعها في ذلك اليوم مع داود ونحن نأخذ في الخبز والخمر فوائد العهد الجديد كمؤمنين من يد المسيح، وختمه ورمزه... وقد كان ثوب يوناثان وسيفه وقوسه ومنطقته رمزاً لانتقال مملكة إسرائيل في كل مجدها وقوتها وجلالها إلى يد داود بهذا العمل الجليل الخارق للعادة الذي قام به يوناثان بن شاول،.. لقد عرى يوناثان نفسه من أجل هذا العهد المؤيد بالقسم لصديقه المحبوب،.. لقد جرد نفسه ليكسي ويزين ويختم بهذا العهد لداود على العرش،... وقد كان في ذلك رمزاً لمن سيأتي بعده في ملء الزمان في حدوده الخاصة،.. كان يوناثان الابن الخاطيء، لأب خاطيء،... وكان يسوع المسيح ابن الله الحي،.. ومع ذلك فإن يوناثان كان رمزاً، لذاك عرى نفسه من أجل أعدائه لكي يلبسهم ثياب البر والبهاء،.. أجل وهذا حق، لقد كان يوناثان تلميذاً للمسيح جاء قبل أوانه، إذ تبع المسيح، وكان واحداً من تلاميذه في العهد القديم،.. وإذ نراه يتعرى نتعجب ونحن نسأل النفس: كيف فعل هذا!، ولعل هذا العجب يرجع إلى أننا لم نختبر بعد كيف تعرينا من أجل صديق أو عدو. لكنك لو حاولت، ولو بدأت تخلع نفسك، فإنك لا يمكن أن تتعجب لماذا فعل يوناثان هذا؟!!.. وإذا سألت بعد ذلك، فإن سؤالك هو: كيف لا يمكنه أن يفعل ذلك؟!!.. وهو لا يقدر وأنت لا تقدر عندما تبدأ أن تسير في ذات الطريق!! وذلك لأنك ستتذوق للمرة الأولى معنى الحياة الحقيقية، وأنت تخلع ثوبك المفضل لتعطيه لمنافسك، الذي سيخلفك في منصبك،.. إنك ستشرب، وستشرب عميقاً من ينبوع الحياة عندما تجرد نفسك من سيفك وقوسك ومنطقتك لتضعها عليه، لأن لمثل هذا ملكوت السموات ولمثل هذا فقط يقال: "يا صاحب تعال مرتفعاً إلى الأمام"،.. ولمثل هذا ولمثل هذا فقط يمكن أن تأتي الرفعة في النهاية، ولمثل هذا ولمثل هذا فقط الذي لا يطلب المجد لنفسه،.. إذا فعلت هذا كما يفعل مثل هذا، فإنك ستجلس بجوار المسيح وبجوار يوناثان،.. ولا يمكن أن يثمر الأمر بغير هذا"...

قال الرجل لزوجته وقد لبس قبعته، وأمسك بيده قبعة أخرى: أي قبعة أفضل التي ألبسها على رأسي أم التي أمسكها بيدي؟!! قالت الزوجة: التي بيدك، ولكن لم هذا السؤال؟!!.. أجاب: إن جارنا العاطل عن العمل، سيذهب -كما علمت- ليقابل الشخص الذي يريد موظفاً يعمل عنده،.. وهو لا يملك قبعة تليق بأن يظهر أمام صاحب العمل، ولابد له من قبعة، وقد رأيت أن أترك له في مدخل بيته القبعة الأفضل عندي!!.. وأسرع وتركها دون أن يظهر للرجل أن يقدمها له!!... إن روح الإيثار والتضحية التي ملأت يوناثان لابد أن تملأ حياتنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور، وعرفنا تضحية المسيح عنا على خشبة العار، خشبة الصليب!!..



يوناثان والمحبة المؤثرة

مات يوناثان على جبال جلبوع، ومات شاهداً وشهيداً، لم يصل إلى عرش إسرائيل، ولكنه تربع على عرش التاريخ والأجيال وسمع العالم بكاء داود عليه "الظبي يا إسرائيل مقتول على شوامخك كيف سقط الجبابرة... كيف سقط الجبابرة... يوناثان على شوامخك مقتول.. لقد تضايقت عليك يا أخي يوناثان كنت حلواً لي جداً محبتك لي أعجب من محبة النساء كيف سقط الجبابرة وبادت آلات الحرب"...

ولقد أثرت -ولا شك- هذه المحبة عميقاً في حياة داود، سواء في حياة يوناثان أو بعد موته، وإذا كانوا قد قالوا إنهم سألوا رجلاً كان في طريقه إلى الإعدام، لماذا وصل إلى ما وصل إليه، وماذا كان ينقصه بين الناس؟!! فأجاب: كنت في حاجة إلى صديق؟!!.. ولا شبهة بالآثار العميقة التي تركها يوناثان بحبه وتضحيته في حياة داود!!... لقد كانت هذه المحبة أشبه بالواحة الظليلة لداود يفيء إليها كلما ضاق في المنفى بآلام الحياة ومتابعها، وكانت بمثابة المشجع الكبير له في مواجهة الظروف المتعبة الكثيرة القاسية،.. وأما ليوناثان فقد كانت عرشاً أعظم وأجمل من عرش إسرائيل نفسه،... إذ كانت عرشه العظيم في ضمير الأجيال والزمن والأبدية، كلما ذكرت قصته بين الناس على ظهر هذه الأرض!!...

في التاريخ اليوناني القديم قصة عن صديقين: هما دامون وبسياس، وقد صاحب كلاهما الآخر في محبة قوية عجيبة، وحدث ذات يوم أن حكم طاغية اسمه "ديونسيوس الصغير" على بسياس بالموت ظلماً وعدواناً، ولم يرهب بسياس الموت، ولكنه طلب من الحاكم مهلة يرى فيها بيته وأهله ويرتب أحوالهم، ويعود ليتسلم بعد ذلك مصيره المعين، وإذ سمع دامون هذا، طلب من الحاكم أن يحل محل صديقه، وأنه مستعد أن يأخذ مكانه فيما لو لم يحضر، ووافق الملك على ذلك وأطلق سراح بسياس وسجن دامون مكانه، وقيل أن هذا الأخير كان يصلي في سجنه أن تؤخر الآلهة مجيء صديقه ليأخذ مكانه، وقيل أن الساعة المعينة جاءت وتأخر بسياس، لأن السفينة التي كان يركبها قد تحطمت، وكان دامون مسروراً إذ اعتقد أن الآلهة أجابت صلاته، وحضر الملك وطلب دامون لينفذ، جاء بسياس راكضاً بكامل قوته، وقبل صديقه وصعد مكانه، وعند ذاك اغرورقت عينا ديونسيوس وصاح: أيها الصديقان الوفيان: ها أنا أمنح بسياس الحياة، وأطلب أن تقبلاني صديقاً معكما ثالثاً!!..

بهذا المعنى -وأفضل- دخلت قصة يوناثان وداود في ضمير الحياة الإنسانية، لتعطي أثراً باقياً على مر القرون والأجيال!!.. وفي الحقيقة أن السعير البشري يحتاج في كل زمان ومكان إلى مثل هذه الصور الملطفة لجو الإنسانية، والتي هي أشبه بالنسمة الرقيقة في الحر اللافح،... في أواخر الحرب العالمية الأولى أرسل ملك وملكة البلچيك إلى هربرت هوفر، وقد قدم لبلادهما الطعام، وبعث الرجاء في القلوب في تلك اللحظات القاسية التي مرت ببلچيكا قائلين: "لا نعلم بماذا نكافئك ونكرمك"... ثم طلبا منه أن يختار أي إكرام.. أما هو فرفض وأجاب: "لقد وقفتما أنتما في باب الحضارة، ورددتما الطغيان.. أما نحن فلم نفعل أكثر من تقديم المعونة لكما..".. وكأنما يقول لهما إن نصيبهما أعظم وأجل!!.. وإذ لم يجدا ما يقدمانه مكافأة له.. أطلقا عليه اللقب الجميل "صديق الشعب البلچيكي"..

ألا يمكن بعد ذلك أن نتذكر صداقتنا مع الرب يسوع المسيح كأعظم حقيقة، وكأعظم صديق؟؟... وألا يجمل بنا أن نرد رد ذلك المسيحي القديم الذي وقف أمام الحاكم الروماني على بيثينية، والذي حاول ما وسعته المحاولة القضاء على المسيحية، وقد هدد بليني الرجل المسيحي بالقول: "سأنفيك" وأجاب المسيحي: "لا تستطيع، لأن العالم كله بيت أبي"... قال له: "سأقتلك" فقال له: "لا تقدر!!.. لأن حياتي مستترة مع المسيح في الله".. فقال له: "سآخذ كنوزك"، فأجاب: "لا تستطيع، لأن كنزي هناك في السماء"... فقال له أيضاً: "سأبعدك عن جميع الناس ولن يتبقى لك صديق"، فقال المسيحي: "إنك لا تقدر، فإن لي صديقاً لا يمكن أن تفصلني عنه".. قال بليني: "إن العالم لا يمكن أن يكون ذا قيمة أمام رجال ونساء من هذا الطراز"!!.


moharb غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-05-2010, 09:00 PM   #30
 
رقم العضوية : 416
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 313
معدل التقييم : 10
moharb is on a distinguished road
افتراضي

( 25 )

سليمان

"فلنسمع ختام الأمر كله اتق الله واحفظ وصاياه لأن هذا هو الإنسان كله"

(جا 12: 13)


مقدمة

لا شبهة في أن سليمان الحكيم يعد واحداً من أعقد الألغاز التي اختلف الناس في فهمها، وذهبوا فيها شتى الأفكار والمذاهب،.. وقد تساءل الكثيرون منذ القديم، وما يزالون إلى اليوم يتساءلون، وأغلب الظن أن سؤالهم سيبقى قائماً لي أن تنتهي الأرض، وما عليها ومن عليها ما مصير سليمان الأبدي؟!!.. وإذا كان دانتي الشاعر العظيم لم يتردد في ضمه في كتاب الكوميديا الإلهية إلى الزمرة المنتخبة من المعلمين العظماء في السماء،.. فإن الكسندر هوايت على العكس من ذلك، لم يترك لنا بارقة أمل في ذهابه إلى المجد، إذ عده من المطروحين خارج المدينة المقدسة السماوية، ولم يقطع الرسام العظيم أوركاخبا بهذا الرأي أو ذاك، إذ استبدت به الحيرة الكاملة، في الصورة العظيمة التي رسمها في بيزا، وفي فلورنسا، وفيها نرى سليمان ينهض في يوم القيامة عند سماع البوق الأخير، مرتدياً ثوبه الملكي، وتاجه، متعباً متألماً، لا يدري أين يتجه.. أإلى اليمين مع المخلصين، أم إلى اليسار مع الهالكين؟!!.. وإن كان لنا أن ندلي برأي في الأمر، وأية كفة نعتقد أنها الراجحة،.. فإن الرجاء في سليمان لا يرجع في شيء البتة، إلى الرجل أو عظمته، أو حكمته بل إلى كل شيء، في إحسان الله، ورحمته، وجوده، وحبه، وهباته، وعطاياه التي هي بلا ندامة،.. ومن ثم سندرس قصة سليمان من جوابنها المختلفة التالية:



سليمان من هو؟!!

هو سليمان بن داود، أطلق عليه أبوه الاسم "سليمان".. والكلمة مرتبطة بالسلام، وهي تشير في أكثر من معنى إلى أن مولده مرتبط بالسلام.. وقد أطلق عليه ناثان "يديديا" أو "محبوب الرب" لكي يؤكد هذا المعنى، وما هو أكثر منه!!.. أجل وإنها النعمة العظيمة التي اختارت هذا الابن بالذات، ليكون هو مختار الرب، ووارث العرش، وإذا كان الله قد عبر بوفاة الابن الأول -ثمرة الخطية- عن كراهيته العميقة العتيدة للخطية، وإذا كان قد أعلن عن أكثر من عقوبة، للعثرة التي جلبتها هذه الخطية في حياة الأمة والناس،.. فإنه في الوقت نفسه قد عبر عن رضاه العميق بتوبة داود وبثشبع في الابن الثاني محبوب الله ومختاره،.. ولم يتردد داود لذلك أن يدعوه "سليمان" تعبيراً عن السلام العميق الذي ناله بالغفران الإلهي، والثقة بأن الله قد طرح وراء ظهره خطيته الكبرى،.. كما أنه -إلى جانب ذلك- آمن بالوعد الإلهي، بأن عصر ابنه سيكون عصر السلام والهدوء والراحة، الذي يتمكن معه هذا الابن من إتمام رسالته العظيمة، وبناء بيت الله، البيت الذي سيصبح نقطة تجمع الشعب حول الحياة الدينية، والاقتراب الصحيح لله!!..

ومع أن نشيد الأنشاد يمتد بكل تأكيد إلى ما هو أبعد وأعظم من سليمان، إلى ذلك الذي هو أبرع جمالاً من بني البشر، إلا أن المفسرين أكدوا أن سليمان لم يكن جميلاً فحسب، بل كان بارع الجمال. وأن جماله الذي ورث فيه الكثير من أبويه، قد جاء وصفه في قول العروس: "حبيبي أبيض وأحمر معلم بين ربوة رأسه ذهب إبريز قصصه مسترسلة حالكة كالغراب عيناه كالحمام على مجاري المياه مغسولتان باللبن جالستان في وقبيهما، خداه كخميلة الطيب واتلام رياحين ذكية، شفتاه سوسن تقطران مراً مائعاً، يداه حدقتاه من ذهب مرصعتان بالزبرجد، بطنه عاج أبيض مغلف بالياقوت الأزرق ساقاه عمودا رخام مؤسستان على قاعدتين من إبريز، طلعته كلبنان فتى كالأرز، حلقه حلاوة وكله مشتهيات. هذا حبيبي وهذا خليلي يا بنات أورشليم". فإذا كانت هذه الأوصاف الرمزية تشير إلى المسيح في أكثر من معنى، إلا أنها على الأقل تعطينا صورة واضحة إلى من جاء في حد ذاته رمزاً ليسوع في كثير من المواضع والصور"..

وقد اشتهر سليمان قبل وبعد كل شيء بالحكمة، إذ دعى في الأجيال كلها "سليمان الحكيم"، ونحن نعلم أن فرصته العظمى للتفوق في الحكمة جاءت إثر حلمه في جبعون، لكنه الواضح أن سليمان كان حكيماً، بطلبه هذه الحكمة، وقد وفر له الله منابع الحكمة، إذ ولد من أبوين مقتدرين في الإداك والفهم، فداود أبوه كانت له المقدرة العظمى في التأمل العميق، وأمه وإن كانت قد اشتهرت بجمالها الفائق- إلا أنه يعتقد أنها ورثت عن جدها أخيتوفل الألمعية والذكاء وقوة التمييز،.. وأعطاه الشفافية، والقدرة الهائلة في فهم الطبيعة البشرية، والحكم على العلاقات بين الناس، كما أنه كان من أقدر الناس في عصره، وفي كافة العصور، على استيعاب الفلسفة، والشعر، والتاريخ الطبيعي، وغيرها من المعارف والعلوم!!... "وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بني المشرق وكل حكمة مصر، وكان أحكم من جميع الناس من إثيان الأزراحي وهيمان وكلكول ودردع بني ما حول، وكان صيته في جميع الأمم حواليه وتكلم بثلاثة آلاف مثل وكانت نشائده ألفاً وخمساً، وتكلم عن الأشجار من الأرز الذي في لبنان إلى الزوفا الثابت في الحائط، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك، وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعون حكمة سليمان من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته"..

وكان سليمان -بكل تأكيد- أقرب أولاد داود إلى الله، ولعل أثر ناثان في مطلع حياته كان عميقاً، إذ كان ناثان مربياً له، ويبدو أن داود وهو شيخ يراقب أولاده، رأى ابنه سليمان أصلح أولاده جميعاً ليرث العرش، وشتان بينه وبين أمنون أو إبشالوم أو أدوينا، ومن ثم وعد داود بثشبع بقسم أن يكون سليمان وريثه في العرش،.. ولم يشأ أدونيا الذي كان ابناً مدللاً متكبراً، ويكفي أن الكتاب يصفه: "ولم يغضبه أبوه قط قائلاً لماذا فعلت هكذا".. لم يشأ أن ينتظر وفاة أبيه أو حتى أخذ رأيه وموافقته، فنصب نفسه على العرش بدون علمه، وقد انحاز إليه جميع إخوته الذين كانوا أقرب على شاكلته، من سليمان الذي لم يدع إلى الحفل أو يشارك فيه،.. فإذا أضفنا إلى ذلك أنه الرجل الذي يعتقد أنه كاتب المزمور الثاني، والخامس والأربعين، والثاني والسبعين، والمائة والسابع والعشرين، وكلها واسعة الرؤى ممتدة الأحلام، إلى جانب أسفار الأمثال، والجامعة، ونشيد الأنشاد، والذي لم يسترح أو يهدأ حتى أكمل بناء بيت الرب وصلى في تدشين صلاته العظيمة، وكلها تشهد بعظمة الحياة الدينية التي وصل إليها ذلك الملك القديم!!...



سليمان واختياره

بعد أن توج سليمان واستوى على عرشه، أحس أنه في حاجة عميقة إلى الله، وإلى إرشاده وهدايته ومعونته، فسعى إلى جبعون الواقعة على بعد ستة أميال إلى الشمال من أورشليم حيث كانت هناك خيمة الاجتماع التي عملها موسى، وحيث كانت تقدم الذبائح لله، وأقام حفلاً دينياً عاماً يبدأ به حياته الملكية بتكريس عظيم أمام الله، وأصعد هناك ألف محرقة، وليس العبرة في حد ذاتها بهذا العدد الكبير من المحرقات كما يقول صموئيل: "هل مسرة الرب المحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة والإصغاء أفضل من شحم الكباش" أو كما يقول ميخا "بم أتقدم إلى الرب وأنحني للإله العلي هل أتقدم بمحرقات بعجول أبناء سنة هل يسر الرب بألوف الكباش بربوات أنهار زيت هلى أعطي بكري عن معصيتي ثمرة جسدي عن خطية نفسي. قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح وماذا يطلبه منك الرب إلا أن تصنع وتحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك"...

وقد جاء سليمان في الواقع بإحساس الضعف والاتضاع والحاجة إلى الله،.. وإذ رآه الله على هذا الوضع ظهر له في حلم، ووضع أمامه الاختيار المطلق دون قيد أو شرط،.. ولعله من اللازم قبل أن نتعرض لاختيار سليمان أن نشير إلى أنه ليس وحيداً أو منفرداً في هذا الاختيار، إذ أن كل واحد منا مثله له مملكته الخاصة، ومن حقه أن يختار اختياره المطلق، وما يريد بالنسبة لهذه المملكة صغرت أو كبرت على حد سواء،.. وإذا كان اليونانيون قد صوروا في أساطيرهم القديمة، هرقل بطلهم العظيم، وقد جلس ذات يوم في شبابه محزوناً متضايقاً، وإذا بفتاتين حسناوين تمران به، واحدة اسمها "اللذة" والأخرى اسمها "الفضيلة".. أما الأولى فقد وعدته أن تقدم له حياة رضية ممتلئة بالبهجة والمسرات، بينما وعدته الأخرى أن تقدم له حياة ممتلئة بالنفع والشهرة، ورفض هرقل نداء اللذة، واستجاب لنداء الفضيلة، وعاش حياته كلها لمعونة الضعيف والمحتاج والبائس... وإذا كان لورد ملبورن عندما أعلن الأميرة الشابة فيكتوريا أنها أصبحت ملكة انجلترا لم يجد أفضل من أن يقرأ لها حلم سليمان في جبعون، فمن الواضح أن الاختيار يواجه كل إنسان في الحياة،.. وحتى رفض الاختيار، هو نوع من الاختيار الذي لا يمكن تفاديه!!..

جاء الاختيار إلى سليمان وهو نائم، والاختيار الصحيح يأتينا مصحوباً بنوم ما، إذ لابد أن ينام فينا الإنسان الأناني الضعيف، الناقص، الشرير المقاد بالجسد، ليستيقظ فينا الإنسان الأسمى والأعلى والأعظم،.. وقد نام هذا الإنسان في سليمان، إذ أن الله عندما سأله: "اسأل ماذا أعطيك، ربما همست في أذنه التجربة.. "أطل طول أيام، أطلب ثروة وغنى، أطلب أنفس أعدائك"!!.. ويبدو هذا من قول الله: ولم تسأل لنفسك أياماً كييرة ولا سألت لنفسك غني، ولا سألت أنفس أعدائك، مما يشجع على الاعتقاد أن المجرب قد جرب بهذه كلها، ولكنه انتصر عليها جميعاً. وطلب القلب الفهيم. والقلب الفهيم يتطلب أمرين واضحين، إذ يبدأ أولاً بالذهن الجبار المقتدر الحكيم، الذي يستطيع الكشف عن الحقيقة المخبأة وراء ستار من الأضاليل والأكاذيب، وخير مثال علي ذلك قصة الزانيتين اللتين احتكمتا إليه في قصة الابن الميت والآخر الحي،.. على أن الأمر أكثر من ذلك لا يقف عند حدود الذهن بل يتعداه إلى "القلب" والذي قال عنه في الأمثال: "فوق كل تحفظ احفظ قلبك لأن منه مخارج الحياة"... والحكمة الصحيحة عند سليمان تتضح من قوله في سفر الأمثال: "بدء الحكمة مخافة الرب ومعرفة القدوس فهم"... وفي الحقيقة أن سليمان كان يدرك بالتأكيد أن الإنسان لا يمكن أن يكون حكيماً إلا إذا كانت له الرابطة القوية العميق بالله، والتي جعلته يقول في المزمور الثاني والسبعين: "اللهم أعط أحكامك للملك وبرك لابن الملك يدين شعبك بالعدل ومساكينك بالحق تحمل الجبال سلاماً للشعب والآكام بالبر يقضي لمساكين الشعب يخلص بني البائسين ويسحق الظالم"... أو إذا جاز التعبير: إن الحكمة هي "الشفافية" التي يعطيها الله للإنسان لكي يبصر الحقيقة، أو الإلهام، أو الإيحاء، بالمعنى الذي قاله يعقوب: "وإنما إن كان أحدكم تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير فسيعطي له"!!..

كان اختيار سليمان بجانبيه "السلبي والإيجابي" مقبولاً وحسناً أمام الله، وقد أعطاه الله لذلك فوق ما يطلب أو ينتظر، إذ أعطاه الغنى والكرامة إلى جانب الحكمة الفائقة التي اشتهر بها، على أنه من اللازم أن نشير أيضاً إلى أن عطية الله كانت مشروطة بشرط واضح متكرر: "فإن سلكت في طريقي وحفظت فرائضي ووصاياي كما سلك داود أبوك فإني أطيل أيامك"... "والآن أيها الرب إله إسرائيل: احفظ لعبدك داود أبي ما كلمته به قائلاً لا يعدم لك أمامي رجل يجلس على كرسي إسرائيل إن كان بنوك إنما يحفظوا طرقهم حتى يسيروا أمامي كما سرت أنت أمامي".. "وأنت إن سلكت أمامي كما سلك داود أبوك بسلامة قلب واستقامة، وعملت حسب كل ما أوصيتك، وحفظت فرائضي وأحكامي فإني أقيم كرسي ملكك على إسرائيل إلى الأبد كما كلمت داود أباك قائلاً لا يعدم لك رجل عن كرسي إسرائيل"... وقد أخفق سليمان في تحقيق هذا الشرط، أو كما قال أحدهم: إن الاختيار الموضوع أمام الإنسان ليس مجرد اختيار بين الرديء والحسن، بل أكثر من ذلك، بين الرديء والحسن والأحسن، وقد اختار سليمان الحسن، وعجز عن أن يصل إلى الأحسن، ومرات كثيرة يكون الحسن عدو الأحسن، أو أن التوقف عند الحسن قد يعود بصاحبه إلى الوراء إلى الرديء.. إنه من الحسن أن نطلب "القلب الفهيم" الذي ميز بين والباطل، والخير والشر، والنور والظلام،.. ولكن الأحسن أن نطلب "القلب النقي"... ولو طلب سليمان طلبة أبيه العظيمة: "قلباً نقياً أخلق في يا الله وروحاً مستقيماً جدد في داخلي" لما تردى في المنحدر الذي آل إليه فيما بعد،.. كانت طلبة سليمان الحسنة، كمن يبني قلعة عظيمة من غير أسوار، ما أسرع ما تسقط أو تنهار عند أي اقتحام أو هجوم،.. ألم يقل كونفوشيوس الحكيم الشرقي الذي جاء بعد سليمان بخمسة قرون: "هذه هي الأشياء التي ترعبني، إني لا أصل إلى مستوى الفضيلة الذي أرغبه، وأنني لا أعيش تماماً حسبما علمت، ولست قادراً على السير في حياة البر وعمله في الوقت الذي أعرف فيه أن هذا هو البر إني لا أستطيع عمل الخير، ولست قادراً على تغيير الشر في نفسي أنا لست الإنسان الذي ولد حكيماً"؟؟





سليمان وأمجاده

لم يكن سليمان الملك من أعظم ملوك يهوذا وإسرائيل فقط "بل من أعظم ملوك التاريخ قاطبة، وقد أحاطت به هالة من المجد لم تتح لكثيرين قبله أو بعده، حتى اقترن اسمه في بعض المواطن بالتقاليد والأساطير التي لا تجد سندها في كتاب الله، ويكفي أن نعلم أنه كان من أعظم ملوك الأرض وأغناهم وأحكمهم، حتى أن شهرته ذاعت في الخافقين، فاجتذبت من أقصى الأرض ملكة سبأ لتسمع حكمته كما أن سيدنا له المجد أدناه من نفسه كثيراً عندما قال هوذا أعظم من سليمان ههنا، ولعل أمجاده الثلاثة الشهيرة:



مجد الامبراطورية

وما أكثر ما يشبهون امبراطورية سليمان بالامبراطورية الأغسطسية إذ كان عصر سليمان أقرب العصور إلى عصر أوغسطس قيصر أول امبراطور للامبراطورية القديمة، على أن مجدها الحقيقي جاء في أنها كانت رمزاً وصورة ضئيلة لمجد مملكة ابن الله في الأرض، إذ كانت تجمع إليها ثروة الأمم: وجعل الملك الفضة في أورشليم مثل الحجارة، وجعل الأرز مثل الجميز الذي في السهل في الكثرة".. وأليست هذه رمزاً لصورة أورشليم العليا أمنا جميعاً والتي وصفها الرائي بالقول: "وكان بناء سورها من يشب والمدينة من ذهب نقي شبه زجاج نقي وأساسات سور المدينة مزينة بكل حجر كريم الأساس الأول يشب. الثاني ياقوت أزرق. الثالث عقيق أبيض الرابع زمرد ذبابي. الخامس جزع عقيقي. السادس عقيق أحمر. السابع زبرجد. الثامن زمرد سلقي. التاسع ياقوت أصفر. العاشر عقيق أخضر. الحادي عشر اسمانجوني. الثاني عشر جمشت. والاثنا عشر باباً اثنتا عشرة لؤلؤة كل واحد من الأبواب كان من لؤلؤة واحدة وسوق المدينة ذهب نقي كزجاج شفاف"... كما أن الامبراطورية كانت متسعة امتدت من حدود مصر إلى العراق، وكان الملوك المجاورون يتزلفون إلى سليمان بالهدايا والتقدمات والخدمة وكان الرعايا من اليهود أو الأمم على حد سواء، أما اليهود فكانوا أشبه بالرمل الذي على البحر في الكثرة أما الأمم فكانوا من ممالك متعددة تخضع لهذا الملك العظيم، وقد خلا حكم سليمان من الحروب الخارجية والمنازعات الداخلية، وسكن يهوذا وإسرائيل آمنين كل واحد تحت كرمته وتحت تينته من دان إلى بئر سبع كل أيام سليمان، كما امتلأت البلاد بالرفاهية والترف، ويبدو هذا من طعام سليمان اليومي وخيله ومربكاته، وألوان العظمة التي كان يرفل فيها... ولم يكن هذا كله إلا رمزاً لذاك الذي وصفه سليمان في المزمور الثاني والسبعين: "يشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام، إلى أن يضمحل القمر ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض. أمامه تجثو أهل البرية وأعداؤه يلحسون التراب، ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة ملوك شبا وسبأ يقدمون هدية ويسجد له كل الملوك. كل الأمم تتعبد له. لأنه ينجي الفقير المستغيث، والمسكين إذ لا معين له، يشفق على المسكين والبائس، ويخلص أنفس الفقراء من الظلم والخطف يفدي أنفسهم، ويكرم دمهم في عينيه، ويعيش ويعطيه من ذهب شبا... يكون اسمه إلى الدهر قدام الشمس يمتد اسمه ويتباركون به. كل أمم الأرض يطوبونه، مبارك الرب إله إسرائيل الصانع العجائب وحده ومبارك اسم مجده إلى الدهر، ولتمتليء الأرض كلها من مجده آمين ثم آمين"... أو الصورة الأخرى التي أشار إليها دانيال في القول: "وأما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها"...



مجد الهيكل

عندما بنى جستناين الامبراطور كنيسة أجا صوفيا. وكانت أعظم عمل قام به إلى جانب تجميع القانون الروماني البيزنطي، ودشنها عام 548م. رفع يديه نحو السماء وصرخ: مجداً لله الذي حسبني مستحقاً أن أقوم بعمل عظيم كهذا، ثم تلتفت حوله وصاح: لقد تفوقت عليك يا سليمان!!!.. وهو يقصد أن يقارن بين الكنيسة العظيمة التي بناها، وهيكل سليمان العظيم على أرض المريا،.. وحقاً كان الهيكل آية من آيات الفن والجمال.

ومن صلاة سليمان نعلم أن الهيكل كان عنده أكثر جداً من الأبهاء والعظمة التي كانت لمبانيه، إذ كان المكان الذي يحمل اسم الله، ويرمز إلى حضوره،.. كما أنه كان مركز العبادة، والشركة، والأخوة التي تربط الشعب بإلههم، وببعضهم البعض،.. وهو المكان الذي يستطيع أن يتجه إليه خيال المنفي والمسبي، ومن ثم رأينا دانيال في السبي، وإن كان لا يراه بعينه المادية، أو يراه حطاماً في أورشليم، إلا أنه الرمز الذي تفتح في اتجاه الكوى، كمكان الغفران والتضرع والأمل،.. وقد أوضح الله لسليمان أن هذه المعاني جميعاً ستبقى ما بقيت الرابطة الروحية مع الله، فإذا تمسك الشعب الصورة المادية، فإن الله سيجعل إسرائيل مثلاً وهزأة في جميع الشعوب: "وهذا البيت يكون عبرة"..



مجد الحكمة

ومن العجيب أن امبراطورية سليمان ذهبت، وذهب معها الهيكل، تماماً كما ذهبت الامبراطورية الرومانية القديمة، وكنيسة أجا صوفيا، وبقيت حكمة سليمان في سفر الأمثال، والجامعة ونشيد الأنشاد، تماماً كما بقى القانون الروماني البيزنطي، والذي هو أبو القوانين الحديثة، وكان مفخرة جستينان عندما أمكنه تجميعه، ليحمي الحضارة الحديثة ويمدها بأعظم الصور القانونية في الأرض!!.. ومن الملاحظ دائماً أن الكلمة المكتوبة، أقوى من كل الأوضاع المادية، وأبقى وأخلد!!.. وإذا كان أبناء عصر سليمان، قد تعلموا الكثير من الحكمة في سعيهم إليه من هنا ومن هناك، من أبناء أمته أو الأمم الغريبة، كما سعت إليه ملكة سبأ، تستلهم منه الحكمة والمعرفة،.. فإن العصور بأكملها ما تزال إلى اليوم تنهل، وستنهل مما ترك سليمان في أسفاره الكتابية الثلاثة!!..



سليمان وتجاربه



كان شكسبير يقول: إن الجهل في الحياة سبب كل تعاسة ومأساة، ولكن سليمان لم يكن جاهلاً، وقد سقط سقوطه الشنيع رغم حكمته العظيمة، لثلاث تجارب قاسية:



دبلوماسية الحكم

كانت الدبلوماسية في نظر چورچ ماثيسور، وهو يحلل شخصية سليمان هي السر في كل ما وصل إليه وأصابه،... وماثيسون يعتقد أن سليمان لم يجمع في قصره ألف امرأة لمجرد الشهوة الجنسية، مهما كانت رغبته فيها، بل أن سليمان نفسه والأمم الذي حوله بروابط سياسية، بهذا الجمع الحاشد من النساء، إذ جاء مع بنت فرعون بالموآبيات والعمونيات والأدوميات والصيدونيات والحثيات، وهو يخطط لذلك في الوصول إلى السلام مع جميع جيرانه، دون الحاجة إلى النزاع معهم ورفع السلاح في وجوههم!!.. كما أنه أراد أن يوحد الأمة من الداخل، وهو لا ينسى أن الأمة كانت أساساً تلتف حول عائلة شاول في سبط بنيامين. وأن الاتحاد الظاهري، يحمل في أطوائه جرثومة الانقسام التي لم تلبث أن ظهرت فيما بعد في أيام ابنه، وهو يريد أن يذيب كل انقسام وفرقة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يشغل الناس بالحصول على الثروة التي تغنيهم عن كل تفكير في نزاع داخلي ومن ثم عمد إلى التجارة فأنشأ أسطولاً ناجحاً وتبادل مع الأمم الذين حوله التجارة التي دفعت الأمة دفعاً قوياً إلى الأمام.. ومن ثم جعل -كما ذكرنا- الفضة في أورشليم مثل الحجارة، والأرز مثل الجميز الذي في السهل في الكثرة!!... وعندما ينشغل الناس بالثروة، ستنسيهم الثروة أي شيء آخر يمكن أن يكون موضوع اهتمامهم وانشغالهم على الإطلاق!!... بل لعله من الناحية الدينية قصد بأن يجمع الشعب حول الهيكل، إذ يصبون هناك حنينهم وأشواقهم وشركتهم، الأمر الذي أفزع خيال يربعام فيما بعد، فأراد أن يفصل إسرائيل عن يهوذا بتمثالي الذهب في بيت إيل ودان، ليمنع الشعب من العودة إلى أورشليم إلى الهيكل،.. وسقط سليمان في الفصل -بهذه الدبلوماسية- بين الحكمة النازلة من السماء، والحكمة النفسية الأرضية البشرية، ونسى سليمان أول درس في الحكمة أنها عطية الله، وليست ذكاء البشر!!.. ومن الغريب أن الرجل الذي قال: "توكل على الرب بكل قلبك وعلى فهمك لا تعتمد في كل طرقك أعرفه وهو يقوم سبلك".. لم يستطع أن يدرك هذه الحقيقة، وارتبط أول ما ارتبط بمصر وغيرا من الأمم، على العكس من القصد الإلهي والغاية من شعب الله نفسه،.. وحفر بذلك -وهو لا يدري- الهوة الواسعة التي تردي فيها أخريات حياته!!.. إن الحكمة الإلهية لمن يريد أن يأخذها هي أشبه الكل بالتيار الكهربائي سيظل قوياً جباراً متغلباً طالما كان مرتبطاً بأصل الكهرباء، فإذا انفصل عن هذا الأصل لأي سبب من الأسباب، فإنه يموت في نفس الدقيقة التي يتم فيها هذا الانفصال!!.. وقد حدث هذا -للأسف- في قصة سليمان، وأين سليمان الذي قيل عنه في مطلع حياته: "والرب أحبه" من سليمان الذي وصف في أخريات حياته: "فغضب الرب على سليمان"..!

الترف واللذة

كانت التجربة الثانية أمام سليمان تجربة الترف واللذة، وقد أفصح عن ذلك في الأصحاح الثاني من سفر الجامعة، على النحو العجيب الذي وصل إليه، وهل كان من المنتظر من الإنسان الذي قال في سفر أمثال لله: "أبعد عني الباطل والكذب لا تعطني فقراً ولا غنى أعطني خبز فريضتي لئلا أشبع وأكفر وأقول من هو الرب أو لئلا أفتقر وأسرق وأتذخ اسم إلهي باطلاً" هل كان من المنتظر وقد أغرق نفسه في الثورة بغير حدود، والتصق بالمحبة وبالعدو الهائل من الفساد، وبحث عن الشهرة هنا وهناك ألا تفعل حياة الترف واللذة فيه ما فعلت، فتحرقه كالشمعة، إذ يضعف أمام نسائه، فيملن قلبه ويبني لهن -إلى جانب هيكل الله- مرتفعات وثنية ليقدمن عليها ذبائحهن، ويموت في الستين من عمره، دون أن يتحقق له طول العمر، الوعد المشروط بالسير مع الله وفي صحبته، ولكنها حياة اللذة والترف التي كتب عنها في الأصحاح الأخير من سفر الأمثال: "كلام لموئيل ملك مسا علمته إياه أمه ماذا يا ابني ثم ماذا يا ابن رحمي ثم ماذا يا ابن نذوري لا تعطي حيلك للنساء ولا طرقك لمهلكات الملوك ليس بالموئيل ليس للملوك أن يشربوا خمراً ولا للعظماء المسكر لئلا يشربوا وينسوا المفروض ويغيروا حجة كل بني المذلة".. ومن المؤسف أن سليمان شرب من الكأس حتى الثمالة، ونسى كل المفروض عليه!!..



القسوة والعنف

لقد بدأ حكمه وختمه بكل قسوة وعنف، لقد اعتقد أنه من الحزم أن يتخلص في مطلع حكمه ممن يظن أنهم سيقفون في طريق هذا الحكم، لم يوصه أبوه بقتل أدونيا أخيه، فعفا عنه حتى طلب أبيشج الشونمية الفائقة الجمال، وكان أدونيا -كما يعتقد الشراح- يقصد بخبث أن يعيد مركزه مع الشعب بأخذ امرأة أبيه وضمها إلى بيته، كما كانت عادة الملوك بضم النساء والسراري للملوك السابقين، ولهذا قال سليمان لأمه: "ولماذا أنت تسألين أبيشج الشونمية لأدونيا، فاسألي الملك لأنه أخي ولأبياثار الكاهن ويوآب ابن ضرويه".. وبطش سليمان بأخيه، وتحول أيضاً إلى يوآب، ثم بعد ذلك إلى شمعي بن جيرا، لكي يتخلص من كل من يمكن أن يكونوا مقاومين له في الخفاء أوالظاهر،.. ودفع سليمان الشعب إلى السخرة القاسية، وأقام له الرب في أخريات حياته الخصوم أمثال هد الأدوحي ورزون بن البيداع ويربعام بن نباط، وزرع سليمان بهذه القسوة والعنف ما حصده ابنه رحبعام بعد ذلك سريعاً!!.. كان سليمان حكيماً، ومع ذلك لم يستطع أن يدرك أن السيطرة الحقيقية للإنسان على آخر، لا يمكن أن تتم بالعنف والطغيان، بل بالرفق والمحبة!!.. وعجز الملك العظيم أن يصل إلى القلوب بمثل ما فعل من هو أعظم منه إذ استولى على قلوب تلاميذه وأتباعه بالمحبة العجيبة الفائقة الحدو!!..



سليمان ومصيره

لا نستطيع أن نذهب ما ذهب إليه الكسندر هوايت في فقدان الرجاء في سليمان،.. من أنه انحرف في أخريات حياته، وليس عن جهل، لقد تنكب الطريق، وانحرف وهو يعلم معنى الانحراف: "وكان في زمن شيخوخة سيلمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب كقلب داود أبيه".. لكن رجاءنا لا يرجع إلى شيء في سليمان نفسه بل إلى كل شيء في شخص الله، الذي وعد داود: "متى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك أثبت مملكته، هو يبني بيتا لاسمي وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد أنا أكون له أباً وهو يكون لي ابناً إن تعوج أؤدبه بقضيب الناس، وبضربات بني آدم ولكن رحمتي لا تنزع منه كما نزعتها من شاول الذي أزلته من أمامك ويأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك كرسيك يكون ثابتاً إلى الأبد!!" ومع هذا الوعد ينصرف أساساً إلى بيت داود الذي سيبقى ثابتاً حتى يأتي منه المسيح مخلص العالم، حتى ولو تعوج بعض أبنائه، ممن سيعالج الله تعوجهم بالضربات والمتاعب والآلام،.. وإذ كان سليمان قد بنى المرتفعات لنسائه الغريبات، فمن المتصور أنه لم يسجد هو أمام هذه المرتفعات، وإنما فعل ليترك لهن حرية السجود كما يردن: وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن".. ومن المتصور أن سليمان كتب سفر الجامعة في أخريات حياته، وإذا كان الكسندر هوايت لم يستطع أن يكتشف توبة سليمان خلال أسفاره التي كتبها، فنحن على العكس من ذلك نرى رجلاً عاش وقتاً طويلاً يشرب من كأس العالم، محاولاً أن يرتوي من ملذاته الكثيرة المتعددة، ولكنه خرج باختباره المؤلم الحزين: "باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح".. ولعله -وهو يشرب من كافة المسرات والمباهج- قد تبين ما قاله السيد فيما بعد: "الذي يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً. ولكن الذي يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية"... وهو شديد اليقين بالدينونة الأبدية: "افرح أيها الشاب في حداثتك وليسرك قلبك في أيام شبابك واسلك في طرق قلبك وبمرأى عينيك واعلم أنه على هذه الأمور كلها يأتي بك الله إلى الدينونة".. وقد ختم الجامعة بقوله: "فلنسمع ختام الأمر كله "اتق الله واحفظ وصاياه لأن هذا هو الإنسان كله. لأن الله يحضر كل عمل إلى الدينونة على كل خفي إن كان خيراً أو شراً"...

كان لورد بيكون من أعلى الناس فهماً ودراية وعلماً وحكمة، وكان أشبه بالحكيم القديم سليمان في حكمته وفي سقوطه أيضاً، لكنه وجدوا في مخلفاته في النهاية صلاة مرفوعة إلى الله يقول فيها: "أيها الرب الإله الكريم، أبي منذ صباي، وخالقي وفادي ومعزي، وأنت الإله الذي تتغور إلى أعماق القلوب، وتفحص أسرارها، وأنت تعرف المستقيم القلب، وتحكم على المنافق، وتأتي بأفكار الناس وأفعالها إلى الميزان، وتقيس نواياها بالمقياس الدقيق، ولا يمكن للطرق المتلوية أن تختفي عن عينيك، لقد أحببت يا رب محافلك، ونحت على الانقسامات في كنيستك، وسررت ببهاء مقدسك، وقد جعلت مخلوقاتك كتبي، ولكن الكتب المقدسة كانت قراءاتي، وقد بحثت عنك في دور القضاء، والحقول، والحدائق ووجدتك في هيكلك.. إن خطاياي تعد بالألوف، وتعدياتي بعشرات الألوف أيضاً، ولكن تطهيرك بقى لي، والتهب قلبي كالجمرة التي لم تطفيء بنعمتك على مذبحك،.. وكما تزايدت أفضالك عليَّ تزايدت أيضاً تصحيحاتك، وكلما كثرت امتيازاتي العالمية، كثرت سهامك السرية المصوبة إليَّ، وكلما ارتفعت أمام الناس تهاويت في وضاعتي أمامك، وأعترف أنني إلى جانب خطاياي التي لا تحصى مدين لك بالوزنات والنعم التي أغدقتها على، والتي لم أضعها في منديل، أو أستثمرها، بل استخدمتها أسوأ من ذلك فيما لا يفيد، حتى أضحت نفسي غريبة في بيت سياحتي،.. يا رب ارحمني، واهدني في طرقك، ثم خذني بعد ذلك إلى مجدك!!..

كان الكسندر هوايت يتمنى فيما يقدر أن يجد شيئاً من مخلفات سليمان يمكن أن يكون مثل هذه الصلاة، ونحن نعجب كيف لم يتنبه الواعظ الكبير، إلى الروح الغالبة في الجامعة، روح الإحساس العميق بالأسى والألم والبطلان في كل ما يمكن يخلف المجد العالمي، في أعماق النفس البشري، والصرخة الباكية في كل العصور: "باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح" روح الإفلاس الذي لم يعد يقدره الإنسان يجمعه سوى في تقوى الله وحفظ وصاياه: "لأن هذا هو الإنسان كله".. أجل ومرة أخرى إن رجاءنا في مصير سليمان لا يرجع إلى مجرد التمني ألا يضيع كاتب الأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد، وبعض المزامير التي غنت للأجيال بمجد من هو أعظم من سليمان، وملكوته الأبدي الذي لا ينتهي،.. لكن الرجاء ينصب أولاً وأخيراً في وعد الله بالتأديب بقضيب الناس، وضربات بني آدم، دون انتزاع الرحمة من ذاك الذي قال أكثر من مرة، وهو أرحم الراحمين: "هوذا أعظم من سليمان ههنا"... له المجد الدائم الأبدي آمين.



moharb غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
160, من, المقدس, الكتاب, رجاء, شخصيه

مواضيع ذات صله شخصيات من الكتاب المقدس



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:07 PM.


RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

Powered by vBulletin Copyright © 2013 vBulletin Solutions, Inc

sitemap.php - sitemap.html

Feedage Grade A rated
Preview on Feedage: %D9%85%D9%86%D8%AA%D8%AF%D9%89-%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9-%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D8%B1%D8%AC%D8%B3-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%B7%D8%A9 Add to My Yahoo! Add to Google! Add to AOL! Add to MSN
Subscribe in NewsGator Online Add to Netvibes Subscribe in Pakeflakes Subscribe in Bloglines Add to Alesti RSS Reader
Add to Feedage.com Groups Add to Windows Live iPing-it Add to Feedage RSS Alerts Add To Fwicki
   سياسة الخصوصية - privacy policy - الانجيل مسموع ومقروء - راديو مسيحى - sitemap              خريطة المنتدى
أقسام المنتدى

كتاب مقدس و روحانيــــــات @ المواضيع الروحيه @ شبابيات @ قصص وتأمـــــلات @  العقيدة المسيحية الأرثوذكسية @ منتدى الصوتيات و المرئيات @ المرئيات و الأفلام المسيحية @ منتدى الترانيم @ ترانيم فيديو كليب @ منتدى الألحان والقداسات والعظات والتماجيد @ صور وخلفيات مسيحية @ منتدى صور لرب المجد @ منتدى صور للعذراء مريم @ منتدى صور للقديسين والشهداء @ منتديات الصور العامة @ قديسين وشهداء وأباء كنيستنا @ معجزات القديسين @ أقوال الأباء وكلمات منفعة @ تماجيد ومدائح قديسين @ شنوديات @ المنتديات المسيحية @ قصص دينية للأطفال @ صور للتلوين  @ منتدى أفكار جديدة للخدمة @ المنتديات العامة @ من كل بلد اكلة @ المنتدى الرياضى منتدى الكتب المسيحية @ منتدى الطب والصحة @ منتدى الادبى العام @ منتدى الصلاه وطلباتها @ دراسات في العهد القديم @ دراسات العهد الجديد  @شخصيات من الكتاب المقدس @ منتديات المسرح الكنسي @ منتدي نصوص مسرحيات مسيحية @ الاخراج وادارة المسرح @ الموسيقي التصويرية  @ أســـامى للولاد +*Boy names*+ @ أســـامى بنات +*Girl names*+ @ منتدى أم النور العذراء مريم @ منتديات الاسرة @ منتدى الديكور @ صحة وجمال @ منتدى اللغات @ منتدى اللغة القبطية @ منتدى اللغة الانجليزية @ سير القديسين والشهداء @ منتدي الطقس الكنسي @ منتدي اللاهوت و العقيدة @ ايات من الكتاب المقدس @ رنم ألف وأكتب @ منتدى قداسة البابا كيرلس السادس @ منتدى التاريخ الكنسي @ السنكسار اليومى @ فيديو مسرحيات وعروض كنسيه @ الانجيل اليومي @ منتدى الأخبار @ كلام فى الحب  @ منتدى اسماء الأطفال +* Baby Names *+ @ القسم القانوني @ منتدى رعاية الطفل @ ترانيـــم أطفـــال @ ملتيميديا الطفل المسيحى @ منتدي الأسرة المسيحية @ صـور مسيحيـة @ مزامير داوود مع القيثارة والعود @ القديسيــــن والآباء @ منتدى الخدمة الكنسية @ منتدى المواضيع العامة @ الأخبار و الأبحاث الطبية @ العلاج الطبيعى والأعشاب @ منتدي دراسات الكتاب المقدس @ Foreign News @ ترفيه وتسلية @ قضايا ساخنة @ فضائيات - فيديوهات @ منتدي البابا تواضروس الثانى @ News @

1 2 4 5 6 7 8 9 10 12 13 14 15 16 18 19 20 21 22 26 27 29 30 33 35 36 40 42 43 52 53 54 56 63 69 70 77 78 79 84 88 89 91 92 96 107 108 113 115 116 120 121 122 123 124 129 130 131 146 148 150 172 173 185 189 190 191 192 193 194 199 200 204 205 206 207 208 209 211 212 218 219 221 222 223 224 226 227 228 229 230 231 237 238 239 240 241